الريح و البلاط
الرخاء والشدة.. وتربُّص المعتدَّة!
يحيى باجنيد
هذا كلام لا (يودِّي) ولا (يجيب).. ولا يضر ولا ينفع.. تحمله الريح لجهات الدنيا الأربع.. يرتطم بآذان الحيطان ويرجع..! انه كلام في الريح.. فماذا تأخذ الريح من البلاط؟!
اذا كان الكتاب يقرأ من عنوانه - كما يقولون - فإن أصح عنوان يناسب من أدركتهم حرفة الادب هو (البؤساء) لفيكتور هيجو.. أو (المساكين) لمصطفى صادق الرافعي.. أو احد فلمي عادل امام (شعبان تحت الصفر) و(رجب فوق صفيح ساخن) أو (الموظفون في الارض) لوحش الشاشة العربية بعد ان تمخض منه جبل المقطم.!
ولا تغرنك هذه (الشنه والرنه) التي يحدثها أصحاب السعادة (الادبية) فهي ضرب من ضروب (الشهرة) يفضي بهم الى (التشهير).. وهو جزاء كل من (سولت) له نفسه، وانحرفت به الهواية الى(الاحتراف)... ولا تخفى على فطنتك - ياسيدي القارئ - الصلة (الوثيقة) بين (احترف - يحترف) و(انحرف - ينحرف)، راجع (وفيات الاعيان) و(عيون المتوفين) الذين ماتوا وتركوا من خلفهم افراخاً بذى مرخ.. لا يجدون ملجأ ولا ملاذاً يستقرون فيه.. وهم يتنقلون بعفشهم من دار لدار.. ومن (عقر) لعقار.. ومن مالك لسمسار! ولولا ان الله جعل بر الابناء بالآباء طاعة واجبة كما اسلفت في مقال سابق لنقم ابناء المشتغلين بالادب على آبائهم أحياء وامواتاً.. ولرددوا قول الشاعر:
هذا جناه ابي عليّ
(وعلى أبيه جنى الأدب)!
وكان على الهيئات الفكرية أن تغلق حوانيت الادب التي تروج لهذه (البضاعة) اسوة بما تفعله (البلدية) مع اصحاب (البسطات)، وتصادر المواد الغذائية التي انتهت صلاحيتها حماية للمستهلك، وتوقع أشد العقوبة بكل من يقترف أو (يحترف) تسويق النطيحة والمتردية وما أكل السبع!
...............
انتبهوا أيها السادة لاجيال تأتي حتى لا يغريهم (اصحاب السعادة الادبية) بسحر البيان ورقة الوجدان.. وحلاوة اللسان.. فتتفشى هذه الصناعة.. وتروج هذه البضاعة!
والحق أنني منذ ان شببت عن الطوق وخبرت من كانوا تحت وفوق من الادباء والشعراء، لم اجد من اغنتهم صناعتهم.. او نفعتهم بضاعتهم الا من (ندر) وكان قد دخل الى هذا الميدان على سبيل الرفاهية ومواساة لمن اصابهم (شر البليّة) والدعاء لهم بالصبر والسلوان.
ومن حسن فطنة السادة الكتبة انهم نأوا بأبنائهم من هذا المعترك وحذروهم من الوقوع في الشرك - من باب اداء مسؤولية من اولاهم الله امرهم من الرعية والتقيد بالوصايا المرعية!
وبما ان الحذر لا ينجي من قدر، فقد تنتقل عدوى الاشتغال بالادب الى احد الابناء من غير (الوراثة) فتأتي من منفذ آخر.. كأن يرى احد الابناء كاتباً او شاعراً في قناة فضائىة، فيفتن ببيانه.. ويعجب بحلو لسانه.. وبريق طيلسانه، فيتوهم صولته وصولجانه، بعد ان تفنن في تلميع سحنته خبراء المونتاج والمكياج فأزالوا ما انعقد من حاجبيه.. وما ضمر من خديه.. وما انطفأ من بريق عينيه.. وقوموا ما تقوس من ظهره ويديه.. وما استطال من شعر منخريه وتلك الجية من سجايا اصحاب القنوات، الذين لا يحبون ان تشيع العتامة والقتامة بين اصحاب السعادة الادبية، فيتأذى بها جمهور المشاهدين.. وقد يغفل فريق العمل عن الضيف العزيز فتصدر عنه حركة عصبية لا ارادية - وقل ان شئت (وسواسية قهرية) كأن يهز قدميه فيدرك المشاهد الحصيف انه يمتهن الخياطة خارج وقت الدوام.. يستعين بها على طباعة مؤلفاته.
وقد يعمد الضيف - في غفلة من المخرج - الى نتف شعرات من شاربه.. يحصي به مداد السنين التي افناها في مهنة الوراقين.. او احصاء ما بقي من ايام الاشهر (الكبيسة).. فاذا كانت (المعتدة) تتربص بنفسها اربعة اشهر وعشرا فقد يتجاوز صبر (الكتبة) المتعاونين مع الاذاعة على صرف مكافآتهم مثلا صبر المعتدة، وهذا مثال عارض يساق بحثاً عن (ترياق) لكل من كان قدره أن (يمتهن) هذه الحرفة.. ولعل من حسن حظ هؤلاء واولئك ان يعهد لامور الثقافة والاعلام الى اعلامي وكاتب ابن كاتب هو الوزير الاستاذ (اياد مدني) يعرف البير وغطاها ويعرف داء الثقافة ودواها، ومن اولى منه بالتعرف على اوضاع من ارتبطوا بمهنة التعب يرتق الفتق ويوثق صلة الكاتب والاديب بوسائل الاعلام المسموعة والمرئية! وربما وجد الوزير ان ما مضى من الوقت كافٍ لاخراج مشروع خصخصة الاذاعة والتلفزيون الى حيز الوجود بعد ان جاءت التجارب العربية من حولنا لهذين الجهازين بطفرات وقفزات فاقت كل التصورات.
ولعلي اعود الى تفصيل ما اختصرته من المضمون إن آنست للحديث شجوناً.. او اكتفي بما ابديت اسوة (بشهر زاد) التي ادركها الصباح فسكتت عن الكلام المباح.!
yahya - bajneed@hotmail.com
أضف تعليقك