( الجمعة 13/05/1427هـ ) 09/ يونيو/2006  العدد : 1818  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • محليات
    • خفايا المدينة
    • حديث الذكريات
    • هموم الشارع
  • ملف الاسبوع
  • سياسة
  • رياضة
  • إقتصاد
  • ثقافة
  • حوادث
  • مع أميمة
  • الاسبوعية 2
محليات » خفايا المدينة...
وجه آخر لحكايات «المهجورة»
متأزمون في احضان الخرابة

  حسين الحجاجي (جدة)تصوير: عمرو سلام
بموت سكانها تموت البيوت.
لكن..
ربما بعد مواتها تأتي بعض الحياة.
فما من بيت تم هجره إلا وتهالك وذوى
تماما مثلما يذوى حزنا.. جَزع النخيل على وفاة زارعه.
فالحيطان تتشظى.
والاسقف تهوي
وأعمدة الدار تمهد للانهيار.. بالانحناء.
ونافذة تصفع اختها في جنون مع الريح
وتنسي الابواب إحساسها بحرمة المكان:
فلم تعد مثلما كانت:
تنتقي الرواد بذاك السؤال:
من الطارق؟
الأبواب صارت عمياء؟
فلم تعد ترى احدا؟
وما صدت وجه الغريب عن
ولوج المكان.
وتلك حكاية أخرى في أنفاس بيت مهجور.
حكاية مختلفة بسياق مختلف.
(طريد السمسمية والطرب الينبعاوي..)
من أين دخلت ومن أين خرجت؟ كان سؤالا صعبا،، ففي تلك الازقة التي تتسع تارة وتضيق تارة اخرى شدني تناثر اخشاب ليست سوى قطع زهدت في التهامها (دودة الأرض).
بقايا من سقف منهار لمنزل ودع الحياة من زمن.
المنزل بدا خاليا مما كنت ابحث عنه، فالغرفة الاولى كان هناك قطع الطوب والاحجار المتساقطة بينما لم يتبقَّ من تلك الغرفة سوى حائط ونصف الحائط ولم يكن حال الغرفة الثانية بأفضل لكن الغرفة الاخيرة كانت تحتفظ بشيء من التماسك، فلازال جزء من سقفها عالقاً بالاعلى،، الملفت ان زاوية الغرفة تحت ذلك السقف كانت تمتلئ بانفاس رطبة حول بطانية وفراش وعلبة سجائر وقارورة ماء - بالفعل كانت قارورة ماء - لم يكن هناك من احد وإن كانت هذه آثار شخص يقيم هنا.
عندما اوشكت على الرحيل وبصورة مباغته تسمر امامي شاب كان يختبئ في أعلى الجزء المهشم من تلك الغرفة وقال بصورة مهذبة:
عفوا لست من سكان العمارة، لقد ارعبتني،، سمعتك وأنت تتجول في هذا المنزل ولم اشك مطلقا ان لن تكون الا والدي، كنت اظنك والدي لانه لا احد قبلك فكر في دخول هذا المكان، فالكل هنا يتجنب حتى المرور بجواره لاعتقادهم انه (مسكون بالجن) لهذا عرفت انك لاتسكن في هذا الحي..
وقال عندما عرف مهمتي:
لا بأس لكن لا صورة ولا اسم خذ حكايتي بالتفصيل ورجاء لاتحدد المكان والا فضحتني وفضحت أهلي؟ قاطعته:
اقسم لك بالله لو اردت القدوم لهذا المكان مرة اخرى لا أظنني استطيع، والسبب انني في الاصل اشعر بأنني دخلت في متاهة،، ووصولي هنا ليس الا تنقيبا غير منظم؟
اطمئن وما اطمأن الا لأنني بالفعل كنت صادقا فيما قلت،،فقد اضعت حتى الطريق للوصول لموقف السيارة،، المهم جلس الشاب على تلك البطانية ثم قال:
أقيم في هذه الدار الخربة منذ اربعة ايام فقط، وقد لجأت اليها لكونها المكان الوحيد الذي لايفكر ابي في البحث عني فيها،،
والسبب انني كونت مع بعض شباب الحارة فرقة للافراح والمناسبات السعيدة،، وصدقني لم اشترك الا انني وجدتها فرصة لكسب لقمة العيش بدلا من حالة البطالة التي اعيشها منذ ثلاث سنوات،،
نشترك في الافراح في مقابل مبلغ جيد يخرج به كل وحد من افراد الفرقة.. للاسف علم بذلك والدي وكنت حريصا الا يصل خبر هذه الفرقة للوالد لانني اعرف وجهة نظره مقدما.. المهم علم بها فطلب مني في البداية الابتعاد عنها،، لكنني تجاهلت طلبه وفوجئت به في مناسبة لاحد الاصدقاء يهجم علي وعلى الفرقة وهشم (عدة العزف).. وتوعدني عندما اعود للبيت لذلك لم اعد حتى الان، ريثما ينتهي (عمي) من تلطيف الاجواء مع ابي فأنا على اتصال مع عمي وربما يحاول ان ينهي المشكلة..
اما سؤالك عن سبب عدم التجائي للسكن عند عمي او احد اصدقائي فهو لان والدي يتوقع ان يجدني عند هؤلاء كما انني لا اريد ان اسيء لسمعة والدي بأن يقال عنه انه طرد ابنه من البيت الناس كما تعلم لاترحم ولذلك لم يعلم بوضعي هذا بعد الله سوى عمي وأنت..
لكن أطمئنك بأنني سوف اغادر هذا المكان عند المساء كما وعدني عمي الذي سوف يحضر الى هنا لنقلي للبيت برفقته.

نحن.. نذاكر
المنزل المكون من طابقين كان اوفر حظا من بقية تلك البيوت المهجورة وإن كان يشترك معهافي تلك النفايات المتناثرة هنا وهناك، بالاضافة الى تلك الروائح النتنة لمخلفات من يلتجئون لهذا المكان لقضاء الحاجة،
أغطية ملابس، كراتين، علب فارغة، اوراق، ستائر تتراكض عليها بعض الصراصير الممتلئة شبعا.. الى اخر تلك الفوضى،،
كنت اسمع ضوضاء صبية تأتي من الطابق الاعلى؟ فترددت في مواصلة الصعود:
لكن حال الباب والنوافذ وتلك الفوضى جعلتني اتيقن ان تلك الاصوات ليست سوى لسكان لاصلة لهم بهذا المكان.
صعدت وعلى ضجيج اولئك الصبية دخلت تلك الغرفة حيث افترشوا بساطا وتحلقوا حول قطعة خشب يلعبون (الضومنة).
توقفوا عن اللعب حينما شرعت في التحدث معهم، ابتسموا حينما قال الاكبر سنا منهم:
- تكفى يرحم أمك،، لا(تودينا في داهية) مع آبائنا،، نحن جميعا جيران ويوميا نتخلص من (زن أهلنا بالمذاكرة وعدم الخروج من البيت من اجل الاختبارات) فاتفقنا للهروب من هذا الحصار وهذا (الزن) بالهروب لهذا المكان حيث اقنعنا أهلنا بأننا نذاكر سويا في بيت هذا.. واشار لاحدهم.
قررنا تنظيف هذه الغرفة واحضر سعيد هذا (الموكيت) من منزلهم واصبحنا نلتقي هنا من ساعة حضورنا من المدرسة حتى صلاة المغرب حيث نغادر المكان بسبب الظلام. وعلى ضحكات الصبية قال احدهم: هيا يا شباب - نكمل المذاكرة.

عيسى الصاروخ
الساكن هذه المرة لم يكن داخل الدار المهجورة وإنما في الحوش المحيط بها،،
الدار كانت فيلا قديمة تعرت من كل ما سمعناه عنها، كانت احسن مبنى في هذه الحارة واصحابها معروفون في جدة،،
تركوها منذ زمن طويل ومن يومها لم يسأل عنها احد..
صاحبنا كان منهمكاً تحت سيارة رفع مقدمتها قليلا عن مستوى الارض وتمدد تحتها يصلح شيئا فيها هناك.
عندما القيت عليه السلام نهض متذمرا وقال بحده:
حسبي الله - يا اخوان (ما عندكم شغلة الا انا رايحين جيين - السيارة واطلعتكم على رخصتي واستمارتي وبطاقة الاحوال انها تخصني وليست مسروقة خلاص فكونا.. يعني اهرب من عيسى الصاروخ لابتلى بيكم).
قلت: عيسى وصاروخ وسيارة مسروقة ياعم هذه اول مرة ادخل فيها هذا المكان؟
قال: يعني ما أنت من الشرطة؟ نفيت ذلك وابلغته بموضوعي؟ ضحك وقال:
المعذرة أصله بالأمس أتى من سألني عن السيارة وطلب ابراز ما يثبت ملكيتي لها فاطلعته ورحلوا وهم يضحكون من سبب اختبائي مع سيارتي (المعطلة) في هذا المكان؟
قلت نسمعها وهل لها علاقة بعيسى الصاروخ؟
ضحك وقال:
هو هذا (رأس المشكلة) ويا عمي انا من الناس الذين لايحبون ان يسمعوا صوتا في السيارة، (تكة أو أزيز تجيب لي الوسواس) ما ارتاح حتى ابحث عن السبب واصلحه لذلك دائما تجدني (فاتح كبوت السيارة وهات يافك ويا ربط) تعودت على هذا.
وكنت اوقف سيارتي بجوار البيت لكن (عيسى الصاروخ) الله يسامحه ما تركني في حالي. كان يخرج يوميا من بيته في الظهر في العصر في المغرب في منتصف الليل (يلقاني شغال) في السيارة.. (ما يقول ما شاء الله فكني بواحدة من عيونه وقال لي في العام الماضي، أنت ما ترحم نفسك..
ولا تمل طول اليوم وانت تفك وتربط في هذه السيارة،، عمري ما شفتك جالس مثل الناس).
والله (وما لك علي قسم، بس هو وراني عرض اكتافه وما شفت الا يدي تدخل بين الصدام وبودي السيارة وتنكسر).
(كيف سقطت وكيف دخلت يدي في ذاك المكان، والله لا ادري ولازلت حتى الان لا أدري، لكن ويش تقول عين وما صلت على النبي - واصلا هو الرجل معروف بعينه ولذلك سموه عيسى الصاروخ،، المهم بعدما شفيت يدي رحلت الى هذا الحوش بسبب عيسى الصاروخ والله يستر ياخوفي من ان شباب الحارة يبلغوه ويجي يوم وينزل على صدري مكينة السيارة،، هل فهمت ليش انا هنا يارجل صرت لمن اشوفه ارتعش واختبئ (زي الحرامية أو البزران) معاي حق والا لا؟

طقس آخر
البضاعة اقل بكثير من تكاليف الايجار، لذلك توجه احدهم ممن يمتهن (السكراب) او شراء النفايات (فرش، بطانيات، علب، اوراق، كراتين، اغطية، ملابس، مما يلقيه البعض منا في براميل الزبالة توجه لاستئجار احد هذه الاماكن الخربة..
سقف من الصفيح المهشم وجدار يتكئ على جدار، ومكان بكل ذاك التنافر له (طقس اخر) وطقس مختلف..
العامل هناك قال:
كل هذا بسبب اننا لانحتمل تكاليف الايجار وهل تظن اننا نسكن هذا المكان مجانا؟
(800) ريال شهريا ندفعها في مقابل بقائنا في هذه الخرابة كما تقول.
نحن نستخدمها كمستودع مؤقت نستقبل فيه هذه الاشياء ريثما يتم نقلها الى التاجر، ومع ذلك محصلة الربح تعتبر لاشيء مع اجرة العمال وتكاليف الايجار لكن ماذا نفعل؟ في غير هذا المكان الايجار باهظ ولانتحمله،، لذلك نصبر على هذا الحال في هذا المكان والحمدلله.
وغير بعيد استقر في اخر زاوية من حوش ضيق لبيت مهجور قال عنه عمر ادريس فله:
منذ ثلاث سنوات جئت الى هذا المكان كمشتَرٍ لقطع الالمنيوم فقط،، اي انه لاعلاقة لي بقطع الحديد او الخشب او غيرها تخصصي المنيوم لاغير..
في السنتين الاوليين لم يأتِ لي أحد ويسألني لماذا استقر في هذا المكان لكن مع بداية هذا العام جاءني (شايب) قال انه صاحب البيت المهجور وصاحب هذا الحوش وقرر علي لأن أدفع له ايجارا شهريا حدده بـ (600) ريال شهريا ولم يكتفِ بكل هذا بل وطالبني بإيجار السنتين الماضيتين بلا رحمة.
البيت كما ترى تزهد في السكن فيه الطيور وحتى الحشرات وهذا الرجل بلا مفاهمة يصر على دفع ايجار لو رحلت منه لما استفاد منه الا الذباب.
وما بيدي حيلة امام انني عرفت بهذا المكان وخشيت من فقدان المتعاملين معي وافقت على مطالب الرجل الذي وافق على مضض على قبول ايجار السنتين الماضيتين بالتقسيط.

النوم الأخير
وفي دور ارضي لمبنى في جدة القديمة كان يحيى علي عبده - يسكن ذاك المكان وهو يحتضن هاجسا بسقوطه بين لحظة وأخرى، غرفة جدارها يتفتت كلما مرت بالجوار سيارة.
وسقف ينهمر صباح مساء برمل وغبار.
وغرفة ملاصقة لم تكن سوى مزرعة للحشرات والفئران. قال:
اغمض عيني ليلا وفي يقيني لن استيقظ الا تحت دمار هذه العمارة الآيلة للسقوط،، ارى مؤشرات سقوطها في كل يوم، ولكن لامكان ملائم لي غيرها.
حاولت السكن في تلك العمارة الحديثة عندما انتهوا من بنائها لكنهم طالبوني بألفي ريال شهريا وانا مجرد عامل كامل مرتبي لايصل لذلك المبلغ،، هذه ايجارها مناسب لي وان كان حال المكان لايساوي قرشا واحدا لكن صاحب العمارة يؤجر هذه الغرفة علي بـ (600) ريالا في الشهر هذا حقه وان كنت اعرف انه يستغل ظروفي وظروف الاخرين هنا لكن الله يستر حتى ارحل من هنا.
وما اتمناه الا يكون نومي هنا هو النوم الاخير. واستدرك قائلا:
المشكلة انه يحسب علي ايجار غرفة اخرى قد سقط جزء من جدارها وصارت وكرا للحشرات والفئران وقد حاولت ان اعزلها عن الغرفة التي اعيش بها لكن فشلت في النهاية.. حيث تعرف تلك الحشرات طريقها الى فراشي.

من أجل اولادي
ووجد زميله سعيد مكي الشبيح سوى ما يشبه الممر تحت كوم التراب تلك الصخور التي انهارت من تلك العمارة القديمة،، انهارت تلك العمارة في يوم ما وتراكمت بقايا على سقف ذلك الجزء الوحيد الباقي منها - الممر حيث جعل له سعيد بابا من خشب ووضع سريره هناك ونام بارتياح.
لماذا ياسعيد هذه المجازفة بحياتك. رد بكل هدوء:
من اجل الاولاد،، صلحت هذا المكان بطريقتي وجعلته مسكنا لي دونما يطالبني احد بالايجار..
وما كنت أدفعه مقابل سكني في مكان اخر اقوم بارساله لابنائي في البلاد،، لامشكلة لدي حتى لو نمت في الشارع، وانا لا احتاج هذا المكان او غيره الا من اجل النوم، ففي النهار كله اكون في مقر العمل ولا اعود الا بعد العشاء وهذا وقت النوم، لدي سرير وفراش وهذا كل ما اريد فلماذا استأجر مكانا اخر يكلفني ايجارا وهذا مجرد خرابة لا احد يسألني لماذا تنام هنا.

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى


أضف تعليقك


الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان المشاركة
مشاركتك*
الأحرف المتبقية

عناوين خفايا المدينة

  • أشرعة
    وأهم مشكلة لدينا الماء


محليات - ملف الاسبوع - سياسة - رياضة - إقتصاد - ثقافة - حوادث - مع أميمة - الاسبوعية 2 - الأولى
ارسل ملاحظاتك - أسعار الإعلان في صفحات الإنترنت - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000