إثر هزيمة الثورة العربية الكبرى (1916) باتت جل المنطقة العربية تحت الهيمنة والسيطرة الاستعمارية الأوربية حيث تقاسمت فرنسا وبريطانيا السيطرة على المشرق العربي (بلاد الشام والعراق ومصر والسودان ومنطقة الخليج والجنوب العربي) وفقا لاتفاقية سايكس – بيكو الشهيرة، الاستثناء كان شمال اليمن (تحت ظل الإمامة) وشبه الجزيرة العربية التي كانت تمر بمرحلة التأسيس والتوحيد التي قادها الملك عبد العزيز آل سعود ،في حين تقاسمت فرنسا واسبانيا وايطاليا السيطرة على منطقة المغرب العربي الكبير (المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا) وفي سياق معارك التحرر والاستقلال والسيادة التي اتخذت صفة النضال الوطني العام التي شارك فيها كافة المكونات الاجتماعية والسياسية والفكرية والدينية والطائفية والمذهبية ضد نظام السيطرة الاستعمارية ومن اجل الحرية، وإثر الاستقلال الذي أحرزته البلدان العربية تشكلت الدولة العربية (الوطنية) الحديثة على الأسس والمبادئ المدنية، وقد تكرس استقلال الدول العربية من خلال ميثاق الجامعة العربية والمعاهدات والمواثيق الدولية وبخاصة ميثاق الأمم المتحدة التي اكتسبت عضويتها. إذاً جميع الدول والكيانات تشكلت على أساس الهوية والرابطة الوطنية – المدنية بغض النظر عن طبيعة التيارات والقوى الفاعلة (قومية وليبرالية وإسلامية ويسارية) المؤسسة لها، غير أن الفشل الذي أحاق بمشروع الدولة العربية الحديثة وشعاراتها الوطنية والقومية والتي تعود إلى أسباب وعوامل موضوعية وذاتية مختلفة في مقدمها السلطة العربية الاستبدادية التي احتكرت مكونات القوة والثروة والسلطة، وصادرت السياسة والدولة والمجتمع، وتكشف إن حداثتها شكلية ومظهرية حيث استغلت الطائفة والعشيرة والقبيلة لتأبيد تسلطها مما أدى إلى تعمق أزمتها البنيوية الشاملة على كل المستويات، والتي تشمل الجميع (النظم والواقع والبدائل) على حد سواء ومن نتائجها استعادة الهويات الفرعية التقليدية لكامل حيويتها ضمن المشهد السياسي – الاجتماعي السائد، وبدأت تتعمق مفاهيم وممارسات تحتفي بالقبيلة والعشيرة والطائفة والاثنية، كما انتعشت أيدلوجيات أصولية (وطائفية ومذهبية) متشددة وشمولية

في إطار التوحيد توطدت الأسس للانتقال من الوحدة الجغرافية إلى الدولة المركزية

طرحت نفسها الحل والبديل في حين أنها التعبير الصارخ لاستفحال الأزمة وتمظهرها. وفي هذا الإطار نشير إلى التجربة التاريخية الفريدة لتشكل وقيام الدولة الوطنية (المدنية)على القسم الأكبر من شبه الجزيرة العربية وتصدي القائد المؤسس الملك عبد العزيز لمنطق وشعار «الثورة» الدائمة والممتدة الذي اختطه بعضهم والذي كان من شأنه لو نجح إجهاض مشروعه التوحيدي والنهضوي، حيث كان يخوض معركة تأسيس صعبة ومعقدة لأول تجربة عربية وحدوية ناضجة في العصر الحديث وكان عليه تجاوز الانقسامات والاختلافات الموضوعية (التاريخية) والذاتية العميقة الجذور ناهيك عن التخلف والجهل والفقر والاحتراب، وبكلمة تخلف البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة آنذاك. وفي إطار عملية التوحيد والتأسيس توطدت الأسس والمرتكزات للانتقال من الوحدة السياسية/ الجغرافية التي استكملت بقيام الدولة المركزية (1932) إلى حالة أرقى من الوحدة الوطنية ضمن سياقات وتجاذب وتحديات داخلية وإقليمية ودولية على درجة شديدة من التشابك والتداخل والتعقيد، وكان عليه مراعاة واقع الجزيرة التعددي من حيث المناطق والقبائل والطوائف والمذاهب حيث اقر واحترم خصوصياتها، كما اعترف بالحدود السياسية/ الجغرافية للدول والمناطق المجاورة وذلك من خلال وثائق وتعهدات محلية، ومعاهدات إقليمية مع السلطة العثمانية وبريطانيا المتحكمة في مناطق شاسعة تحيط بالكيان الوليد ضمن الشروط وتناسب القوى آنذاك مما أضطره إلى إبرامها ثم تجاوزها حين تغيرت الظروف، وهو ما جعله يصطدم مع المشروع الأيدلوجي (الثورة الدائمة) للذين رفضوا منطق الدولة الوطنية بمضمونها وطابعها المدني والمستندة إلى جوهر الإسلام كعقيدة وشريعة، وإزاء ذلك كان أمامه خياران الأول الانجرار خلف نزعة أيدلوجية (ثورية – قبلية) تمثلت فيمن يرون الاستمرار في حمل راية الجهاد (الثورة الدائمة)وفرض أيدلوجيتهم وتفسيرهم الخاص (الأحادي - الإقصائي) للإسلام في الداخل والخارج، بغض النظر عن تغير الظروف والأوضاع والخيار الثاني تمثل في منطق الدولة الوطنية التي عليها مراعاة مصالحها وحماية مكوناتها، والتفرغ للبناء والتنمية، واحترام التزاماتها الإقليمية والدولية.
وقد حسم القائد المؤسس هذه الازدواجية في معركة سبلا (1926) حيث انتصر لمفهوم وخيار الدولة (المدنية) الوطنية وما أشبه اليوم بالبارحة، فإن هذا المنطق العدمي يعود ليطل مجددا من خلال مجموعات استطاعت ضمن ظروف معينة تكوين وجودها، وسعت إلى تكريس حضورها ناطقة وحيدة باسم الإسلام من خلال فرض تصوراتها ومفاهيمها الاقصائية / الأحادية / التكفيرية الرافضة لما عداها، وسعت جاهدة لاختطاف المجتمع تمهيدا لمشروعها التدميري في اختطاف الدولة والوطن عن طريق العنف والتخويف والإرهاب المادي والفكري، وحين فشلت في تحقيق هدفها المركزي عن طريق السلاح والإرهاب الدموي الأعمى، سعت إلى تغيير تكتيكاتها من خلال الإثارة والتهييج والتشنيع ضد السياسات الإصلاحية، وضد معظم المكونات الثقافية والفكرية والمذهبية في المجتمع، وامتد أذاها إلى وجوه ورموز وشخصيات وطنية مخلصة في مرافق وأجهزة الدولة والمجتمع، وفي هذا الإطار فإن تشكيل الدولة العصرية على وجه العموم والمستند إلى مفهوم الدولة/ الأمة هي عملية وسيرورة مستمرة لا تعرف الانقطاع والمراوحة والتوقف، وضمن هذا الإطار فإن البعد الثقافي يمثل الركن أو الضلع الثالث إلى جانب الاقتصاد والسياسة في عملية البناء والإصلاح الشامل وبلورة الشخصية والهوية (أم الهويات) الوطنية التي تحترم المكونات والهويات والانتماءات الفرعية الأخرى، وان أي إضعاف أو تجاهل أحداها من شأنه المس بمجمل العملية وإعاقة وتشويه مسيرة التطور والتقدم في بلادنا. لذا فإن الحملات المسعورة التي تشن ضد الكتاب والمثقفين والصحفيين والشخصيات الوطنية والإصلاحية على اختلاف مواقعها (الرسمية والاجتماعية) هي ترجمة وصدى للمجموعات الإرهابية التي صعدت هجومها وتهديداتها ضد الفكر المستنير،غير انه كما فشلت مخططاتها الإرهابية والدموية في بلادنا، فستفشل مخططات قياداتها الفكرية من مدمني الكهوف والعقول المظلمة والتي تسعى يائسة لعرقلة عملية التطور والتغير والإصلاح التي تتبناها وتسعى لترسيخها قيادة بلادنا من اجل رفعة وتقدم وازدهار وطننا الحبيب.