أفق آخر
السعوديون.. ولعبة البيانات السياسية!
السعوديون من أكثر الشعوب إصداراً للبيانات السياسية، على الأقل منذ بداية التسعينات وحتى الآن، وهذا الإسهال «السعودي» في إصدار البيانات، ظاهرة تستحق الدراسة، والتأمل، سيما البيانات الأخيرة، لجهة الموضوع، أو الأسماء، أو الهدف.. وفلسفة إصدار البيانات التي تستند إلى رؤية وطنية شاملة، مدروسة، متماسكة، قد تكون مؤشراً للحرية السياسية، ولكن عندما يكون المحرك الرئيس لمعدي البيانات، وتجهيزها وتمريرها للتواقيع هو إيقاف الحراك الاجتماعي، والتهديد، وفرض رؤية فئوية على المجتمع السعودي بأسره، من ساحل الخليج إلى البحر الأحمر، فهنا الأمر يختلف، ويصبح تهديداً للنسيج الوطني. فلا يمكن لأية جهة أن تختزل المملكة بمكوناتها، وإرثها وتاريخها ومشتركاتها الحضارية، واختلافاتها الثقافية، في فكر أو إقليم، أو رؤية ذهنية لأسماء لا تمثل إلا نفسها، في بيان مبحر على شبكة الإنترنت.
والمجتمع السعودي فريد في تكويناته، المتنوعة فكرياً، والمتعددة مذهبياً، والمختلفة إقليمياً، وهو اختلاف تنوع وليس تضاداً. هو ما يميز المجتمع السعودي، بل إنه سر قوة المجتمع وتماسكه، وليس بالإمكان تنميط الوطن، وتلوينه بنسخة فكرية واحدة، عدا المظلة الوطنية الكبرى، بعيداً عن المحركات الماتحت وطنية، لجهة الإقليمية والمذهبية، وهي محركات غير قابلة للتداول في إقليم الوطن الكبير، حتى وإن انطلقت عبر بيانات مؤدلجة، ومسيسة، لم يتم فحصها أو اختبارها في سوق الأفكار.
والبيانات بشكل عام، تأتي عادة بعد الحوارات بين الأطراف، لتلخص رؤية، أو تبلور موقفاً، لا أن تستبق الأحداث، وإيهام صانع القرار والمواطن، بأنها تعبر عن الوطن والأمة، عبر تنويع الأسماء الموقعة، جغرافياً، وأحياناً فكرياً، أو إشراك أسماء نسائية أحياناً، لإظهار الانفتاح والشمول في بعض البيانات، ووفق كل حالة سياسية.. وإجمالاً، تلك البيانات تخلص إلى استنتاج واحد، وهو محاولة فرض فكر أحادي مسيس، ومساندته بالبرقيات الشعبية المنظمة، لإظهار أن ما يحدث هو موقف شعبي عارم وموحد.
والمتابع لتلك البيانات السياسية يكتشف أن بعض موقعيها من موظفي الأجهزة الحكومية، الذين يقبضون منها نهاراً، وينتقدونها ليلاً، وأخلاقيات العمل السياسي، تتطلب من منتقدي السياسات الحكومية تقديم استقالاتهم من الحكومات، والتفرغ لنقدها، وهذا من حقهم، بل إنه يحقق مصلحة وطنية أيضاً، حتى تكون الاستقلالية والمصداقية حاضرة في الظاهرة، لجهة الهدف والفكرة، لا أن يكون أبرز الموقعين في بعض البيانات من المتقاعدين، أو من أصحاب النوايا الحسنة الذين استهوتهم لعبة البيانات، والألقاب!
أضف تعليقك