أنبل ما في الإنسان أنه حزمة من الأحاسيس والمشاعر، ساعدت في تشكيلها التجارب والأحداث التي لم تكن في مجملها تحت سيطرته بل وضعته غالباً ظروفه وحظوظه أمامها، أو وضعتها أمامه. والنتيجة هي أن حياة كل إنسان ملحمة خاصة، تستحق أن تسجل في أقاصيص البشرية. وكم من ملحمة جميلة مؤثرة ضاعت في طوايا النسيان، وكم من قصص إنسانية معبرة احتفظ بها أصحابها لأنفسهم، ولأبنائهم. وماهذا العالم الذي نعيش فيه سوى خشبة المسرح الكبيرة تدور عليها الدراما الإنسانية في أسمى معانيها، يلعب عليها كل واحد فينا دوره المرسوم له والمكتوب عليه، ثم يتوارى. أثناء تلك الرحلة لابد لهذا الإنسان أن يكون قد أسهم – بماقُدّر له وما كُتب عليه– في إثراء الملحمة الإنسانية الرائعة فوق خشبة ذلك المسرح الأبدي.
صديقي الجميل عبدالرحمن السدحان، وبأسلوبه السهل الممتنع، كتب ذكريات ما انقضى من عمره المديد، بعفوية الطفولة، وحنين السنين، أمده الله بالصحة والعافية فيما تبقى من عمره ليكتب ما تبقى من كتاب العمر.
كانت مفاجأة سارة عندما وجدت كتابه «قطرات

وماهذا العالم الذي نعيش فيه سوى خشبة المسرح الكبيرة تدور عليها الدراما الإنسانية

من سحائب الذكرى «على مكتبي في الرياض، ويتوج الغلاف صورته بتلك البسمة العفوية التي عرفتها فيه منذ أن كان (أقل نضوجاً)، أي قبل أن تأخذ الأعوام مجراها.
وقد اكتشفت بعض الأمور المشتركة بيننا من خلال كتاب صديقي الودود. فوالدته (يرحمها الله) عسيرية من أبها، وكذلك والدة (زوجتي يرحمها الله) وجدة أبنائي هي أيضاً عسيرية (متعصبة) من أبها ولا تزال تفضل العيش في أبها على جدة، أمدّ الله في عمرها.
ثم هناك الشيخ إبراهيم إسلام (يرحمه الله) مدير مالية عسير آنذاك وكان من أعيان جدة، وهو زوج خالة الصديق عبدالرحمن كما أشار في قصته. وكان الشيخ إبراهيم إسلام من أقرب أصدقاء حماي (والد زوجتي) الشيخ عبدالعزيز جميل، وأيضاً من أصدقاء والدي، تغمدهم الله جميعاً برحمته وغفرانه.
ولا زلت أذكر كيف كنت أحياناً أجلس صامتاً وأنا طالب صغير أمام هؤلاء الكبار في مجلس العم إبراهيم إسلام أمام منزله بعد عصر كل يوم في طريق مكة بمدينة جدة، وأستمع إلى أحاديثهم وحواراتهم وتلميحاتهم دون أن أجرؤ على إقحام أنفي في ما يتحاورون.
لقد رسم صديقي عبدالرحمن بحنينه وعفويته وأسلوبه المحبب إلى قلبي لوحات رائعة لمشوار حياته العامرة حتى الآن، تتداخل فيها البسمة والدعابة مع شجن العاطفة ومسحة الحزن القديم دون أي تصنع أو تظاهر أو ادعاء، في سلاسة السهل الممتنع كما قلت سابقاً، وهو أسلوبه الذي يتميز به عن الآخرين.
كنت أعرف جيداً أن صديقي عبدالرحمن كاتب مبدع، يرسم بكلماته أشكالاً تأخذك إلى عالم آخر، وكنت أستمتع بقراءتي لكل ما يكتب. ولكنني اكتشفت من خلال هذا الكتاب الجميل أنه روائي أيضاً من الطراز الأول، يحول مشاعره وأحاسيسه إلى مشاهد حية تثير خيال القارئ، ويقدم لك بكلماته لوحات نقية ولكنها مشوقة للمكان والزمان والإنسان، كيفما وجدت في مخيلته وذاكرته.
أشكرك يا صديقي على تلك السويعات العذبة التي أشركتني فيها -وأشركت غيري– في «قطراتك» الندية، آملاً أن يكون هذا القطر أول الغيث.
واسمح لي أيها الصديق الكريم أن أستعير منك مستقبلاً تلك الإجابة (الفلسفية الحكيمة) وإن كانت تحتوي على شيء من المراوغة الظريفة، إذا ما سئلت ذلك السؤال الأزلي : متى ولدت (أو كم عمرك)؟