واجه المشروع النهضوي العربي (منذ بداياته في منتصف القرن التاسع عشر) بتياراته وروافده المختلفة رغم الجهود والإسهامات المميزة لرجال النهضة وفكر التنوير طريقا مسدودا، وتم إجهاضه، وبالتالي لم يتسنَّ لمشاريع الإصلاح (الفكري– السياسي) ولقيم الحرية والعقلانية والتنوير والتقدم أن ترسخ وجودها في ظل عوائق وعقبات موضوعية وذاتية تمثلت في بنية اجتماعية أبوية (بطريركية) متخلفة وفي الهيمنة الاستعمارية و طبيعة الأنظمة العربية التابعة لها، ومحدودية مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مما وسم تلك المشاريع بالعجز عن توليد نسق من المفاهيم والمقولات الجديدة التي تستجيب لخصائص وظروف تشكل وتطور المجتمعات العربية. موقف العرب من الغرب كان ملتبسا ومتناقضا منذ البداية فهو من جهة الغرب القوي والمتطور صناعيا وعلميا وحضاريا وتسود مجتمعاته قيم الحرية والديمقراطية ومن جهة أخرى فهو الغرب الاستعماري المتعالي الذي مارس سيطرته واستبداده بحق الشعوب العربية ونهب واستباح خيراتها وحدَّ وعرقل من تطورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، كما أجهض تطلعاتها في التوحد القومي في إطار دولة عربية واحدة في أعقاب تفكك السلطة العثمانية، ووقوع معظم البلدان العربية تحت السيطرة والهيمنة (الغربية) الاستعمارية، الأمر الذي حفز المزاج الشعبي الرافض لا للحالة الاستعمارية فحسب بل لنظمه وقيمه خاصة أن الظروف التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت من خلالها البرجوازية والفئات الوسطى في المجتمعات العربية طبعتها بطابع المحافظة والازدواجية والانتقائية، أضف إلى ذلك مستوى وعي

المشروع النهضوي واجه منذ بداياته أزمته
البنيوية التي هي جزء من أزمة الواقع العربي

وإدراك الناس ونفسيتهم الاجتماعية وتراثهم والأسطورة والترميز المتحكم بوجودهم وبذاكرتهم التاريخية الممتدة إلى تفاصيل حياتهم وتفكيرهم وسلوكهم، مما تقدم تبين لنا كيف أن المشروع النهضوي واجه منذ بداياته أزمته البنيوية التي هي جزءاً من أزمة الواقع العربي بمستوياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقد أدى كفاح الشعوب وحركة التحرر في البلدان العربية لنيل استقلالها وتحقيق سيادتها الوطنية إلى بروز ومن ثم ترسيخ الدولة (القطرية) الوطنية ومع موضوعية وضرورة هذه العملية تاريخيا إلا انها شكلت بداية الانتكاس للمشروع القومي العربي إذ أصبحت العلاقة الملتبسة مابين الهويات الوطنية المتشكلة والهوية القومية (العروبة) المحور الرئيسي الذي تتمفصل حوله كافة مشاريع العمل العربي المشترك، وكافة الصراعات والتناقضات أيضا وبذا تحققت عملية قطع تاريخي منعت وأعاقت قيام وتبلور الهوية (الأمة) العربية في أطار دولة واحدة بخلاف ما تم في مناطق عديدة من العالم قديما وحديثا، فالأمة العربية هي من الأمم القليلة التي لم تحقق وحدتها القومية بعد، غير أن هناك تجربة تاريخية متميزة وناجحة تمثلت في عملية توحيد معظم شبه الجزيرة العربية (منبع العرب والعروبة والإسلام) التي قادها الملك المؤسس عبد العزيزآل سعود. لقد توطدت وترسخت مواقع الدولة الوطنية في موازاة ضمور المشروع القومي خاصة بعد إخفاق المحاولات الوحدوية لأسباب عديدة أبرزها إغفال وتجاهل التمايزات والتباينات القطرية والقفز عليها، وفرض وتحقيق المشاريع الوحدوية بأساليب فوقية (تسلطية) واستعراضية، وتجاهل المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان بما في ذلك حقوق الأقليات الاثنية والدينية والمذهبية، ولا ننسى بالطبع تدخلات الاستعمار والقوى الغربية والصهيونية وإسرائيل لإجهاض وإفشال تلك التجارب، كما أن التجمعات القومية (الجامعة العربية) والإقليمية للتعاون العربي فشلت هي الأخرى في تحقيق الحد الأدنى من التنسيق والتكامل مما أصاب مجمل النظام العربي بالترهل والوهن والعطب وليس أدل على ذلك من إقدام النظام العراقي البائد على احتلال دولة الكويت (2أغسطس1990)وإرهاب وتشريد شعبها تحت شعار عودة الفرع إلى الأصل وتطبيقا لمفهوم الإقليم – القاعدة إلى جانب تهديد دول الخليج العربي الأخرى مما شكل حالة فريدة وشاذة ضمن معطيات العصر الراهن من حيث التوسل بالعامل القومي للتغطية على سياسات قطرية بل وممارسات (ذات منحى عشائري – طائفي) متطرفة تتسم بالفردية والتسلط والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان و الإرهاب إزاء شعبه وجيرانه في آنٍ معا. مثل هذه المواقف والسياسات المتهورة وجهت ضربة قاصمة لمفهوم الأمة العربية وللنظام العربي وعمقت ظاهرة الاستقطاب والانقسام ليس بين الأنظمة العربية فقط بل وعلى مستوى الشعوب ونخبها وتياراتها المختلفة مما أخلّ وأضرّ بالعلاقة الجدلية المفترضة مابين الوطني والقومي و إلى إضعاف الموقف العربي برمته إزاء التحديات الإقليمية والدولية وتعمق الارتهان والتبعية للخارج وعلى جميع المستويات وانعكس ذلك في ضمور وتآكل شرعية بعض الدول العربية التي فاقمها الفشل في تحقيق أي من الشعارات والأهداف الوطنية والقومية الكبرى التي رفعتها.