تساءلتُ بعد أن قرأتُ أكثر من سبعين صفحة من سيرته الذاتية: ما الذي دفعه إلى تدوينها، وهو لمّا يزل بَعْدُ في شرخ الشباب في نظري؟ إذ لم يكشف عن عام مولده، بل لا يدري متى وُلِد «فذاك تاريخ غيّبه الزمن، وكاد يذوب في لُـجّة النسيان» لذلك من الصعب أن يتذكر عام مولده، لأنه عاش في زمن لا شهادة ميلاد فيه لمن يولد، ولا تقرير مستشفى لمن يريد.
بين مولده من أب كانت مسقط رأسه أمّ القرائن (إحدى ضواحي شقراء) وأم من قرية مشيّع (على بعد خمسة كيلومترات من أبها) عاش في زورق تتقاذفه الأمواج، حتى إذا تلاطمت شعر بالألم، وإذا أرخى الزورق شراعه حافظ صاحبي على عادته القديمة، بإبقاء رأسه مرفوعاً عالياً، وفي الأمثال «ليس في الإباء بين بين، فإما أن يكون وافراً، وإما ألا يكون كافياً» ورغم أن قلبه تحطّم بسبب انفصال أمه عن أبيه، والابن في عمر مبكرة، إلا أنه عَبَر النهر ولم يخش أن يبتلعه أحد تماسيحه، أو تعضُّه أسماك

ليس في الإباء بين بين.. فإما أن يكون وافراً.. وإما أن يكون كافياً

صغيرة، وقطف بيده ثمرة صَبْرٍ من شجرة كانت مزروعة على إحدى ضفّتي النهر، فيما كان الخدم يقدِّمون ثماراً يأكلها أبناء الموسَرِين، وأبصَر من الغربال ومن لا يبصر من الغربال يكون فاقد النظر، وتأمل ما له وما عليه، وعندما نام كانت دعوات أمه تهدهده.
كنت أقرأ السيرة الذاتية له وأمامي النادرون من أمثاله. كانوا يسعون آباءهم وأمهاتهم حقوقهم، ويدركون بلا ريب أنّ «عقوق الولد أسوأ من نيب الأفعى» وكانوا يتخذون من ضعفهم قوّة، لا يتكِلون إلا على الله ثم على أنفسهم، لم يتكلوا على زاد غيرهم كي لا يطول جوعهم، ولا يمتطون جِمال جيرانهم للوصول إلى ديارهم، كان مجدهم كمركب صغير الحجم، ولكن كانوا يشحنون بضائعهم على متن سفينة كبيرة، واحتملوا ألف شيء مُعاكس للاحتمال، ولم يتركوا شيئاً للمصادفة، وكانت لمركبهم مرساتان الأولى: يتقون بها الضربة المتوقعة، والأخرى: يقاومون مِن عليها وحدتهم وغُربتهم.
نَكَأَ جِراحاً لستُ أدري هل اندملتْ عند كثير من أمثاله؟ أم بقيت ذكرى تمُدُّ يدها لمن يسقط فترفعه؟. لقد تمسك هو وأمثاله بإيمان أبوابه ليس صعباً فتحها، وثابروا على أعمالهم بشكر لا يشيخ ولا يضيع، ولم يعيشوا على الأحلام فالعيش عليها يعني النوم الطويل، ووجدوا اللّذة في الحكمة، والحكمة كوردة لا يشمّ أريجها المصابون بالزّكام.
سار في دروب الحياة بعين نسر، وقلب أسد، وفي أحد شقي فمه الدواء، وفي الشّق الآخر الأدواء. ورغم ضآلة جسده آنذاك استطاع أن يكون قوياً، وغدا الأمل بين يديه كسيف لا يبلى غمده، وعندما أمسك بتلابيب العلم والمعرفة في المدرسة، والمعهد، والجامعة، طلّق أيام الشقاء بالثلاث، واقترن بما يجعل الفضيلة محبوبة، وتحالفت الحكمة مع الجمال، والجمال -كما قال أحدهم-: «يُنبوع غبطة لا ينضب معينه لمن يكتشفه».
عشتُ ليالي معه بعد أن ارتديت جلبابه، أقطف من سيرته الذاتية تمراً تارة وحشفاً تارة أخرى، والحياة هي مزيج من هذا وذاك، فيوم أن كانت النار تحرقه، كانت الشمس تسطع لتدفئه، فأتيقّن مُجدّداً كم هو الخالق عزّ وجل رؤوف بعباده.
الصديق عبدالرحمن بن محمد السدحان: قرأتُ أهم محطّات حياتك، فلا تلمني إن لم أكمل ما تبقّى، وسأهمس في أُذنِك بالأسباب.
فاكس: 014543856
badrkerrayem@hotmail.com