«القوة الناعمة».. ؟!
تظل «قوة» الدولة -أي دولة- «الخشنة», أو الصلبة, أو الأساسية (Hard Power) متركزة أساسا في «العناصر» التالية:
1- نوعية وكم السكان، 2-الموقع الجغرافي والواقع الطوبوغرافي, 3– الموارد الطبيعية، 4 – قدرات السكان التقنية والصناعية ، 5 – الإمكانات العسكرية... إضافة إلى أهم هذه العناصر، وهو: نظام حكمها وإدارتها (النظام السياسي). وعند محاولة «قياس» مدى قوة أي دولة، على الساحة الدولية، تؤخذ هذه العناصر الستة في الاعتبار الأول، أساسا واصلا... باعتبارها تكون (مجتمعة) ما يسمى بـ «القوة الخشنة» للدولة، أو قوتها الصلبة أو المادية، الأساسية.
ولكن، تظل أيضا هناك «عناصر» متفرعة أخرى لـ «القوة»... وان كانت اقل أهمية، من عناصر القوة الصلبة، المذكورة أعلاه. فبالإضافة إلى «القوة الخشنة»، هناك «قوى» أخرى، هي:-
1- «القوة الناعمة» (Soft Power ): وهى عبارة عن: اصطلاح سياسي يستعمل الآن للإشارة إلى: أن للدولة –أي دولة– قوة معنوية وروحية... تتجسد في: ما تطرحه وتقدمه من قيم ومبادئ وأساليب إنسانية حضارية، وثقافة وأدب وفن، ومساعدات اقتصادية و إنسانية واجتماعية... تلقى –من قبل الآخرين– الرضا والاستحسان والتقدير، ومن ثم الدعم والتأييد، لمصادرها.
ب– التأييد الدولي، المستمد من صداقات وتحالفات دولية معينة، أو يمكن تعيينها.
جـ – الرضا الشعبي، والتماسك الوطني للدولة المعنية.
* * *
وفى الواقع، فان كلاً من القوى الثلاث الأخيرة (المتفرعة) يمكن إدراجه ضمن عناصر «القوة الصلبة» المشار اليها. فـ «القوة الناعمة» يمكن اعتبارها ضمن عنصر «السكان»... باعتبار أن «الحضارة» هي –بصفة عامة– ناتج انسانى. أما كل من «التأييد الدولي» (الصداقات والتحالفات) والرضا الشعبي (الوطني) فيمكن – بالطبع – إدراجهما ضمن عنصر «النظام السياسي». وهذا يوضح بان كل هذه العناصر متداخلة، ومترابطة... وتشكل

أهم ما يحدد وضع ومكانة أي دولة هو عناصر
القوة الصلبة ثم الناعمة ثم ما يليها من قوى

مجتمعة «خلطة واحدة» – إن صح التعبير– تجسد: مكانة ووضع بلد معين، في وقت من الزمان معين.
وحقيقة، فان أهم ما يحدد وضع (ومكانة) أيى دولة –في أي وقت– هو: أولا: عناصر «القوة الصلبة»، ثم القوة الناعمة، ثم ما يليها من قوى - ذكرت آنفا. ولكن لـ «القوة الناعمة» تأثيرا كاسحا... يفوق أحيانا، وفى بعض الحالات الكثيرة، اثر وتأثير القوة الخشنة، وغيرها. ولا تكتمل قوة أي دولة، ويستتب وضعها، على الساحة الدولية، (على أي حال) إلا بتوفر قدر (معقول) من «القوة»، بأنواعها وعناصرها المختلفة، وبشقيها المادي والمعنوي.
* * *
ففي المدى الطويل، لايمكن لأي دولة أن تستمر قوية، مرهوبة الجانب، محترمة التوجه، إلا إذا كان لها – إضافة إلى أنواع القوة الأخرى – قوة ناعمة... بمضمون وقدر مناسبين. ولعل أهم عناصر القوة الناعمة، هي - من بين بقية المكونات - القيم والمبادئ السامية، التي يقدرها ويحترمها غالبية البشر الأسوياء، في كل زمان ومكان، وفى مقدمتها: الحرية والعدالة والمساواة، والديمقراطية، والتكافل الاجتماعي... وغير ذلك. ولا تفوق أهمية هذه العناصر سوى الالتزام بتطبيق هذه المبادئ والقيم بحق، وبالفعل. فالتلاعب بها، أو الادعاء بالتمسك بها، والتمويه بشأنها، له نتائج عكسية تماما، على الدولة المدعية، أو المتلاعبة.
ويمكن، في الواقع، اعتبار أن: تأييد (ورضا) الناس والراى العام للدولة –أي دولة– فيما يتعلق بعناصر القوة الناعمة، يعطى الدولة قوة ونفوذا... بينما سخط (ومعارضة) الناس والرأي العام، لدولة معينة في هذا الشأن، ينقص من قدرها، ويهز قواها، ويضعف موقفها... لهذا، فان على الدولة التي تريد حقا حماية وتنمية «قوتها»، أن تحمي وتنمي قوتها الصلبة، والناعمة كذلك، وتحرص على كسب التأييد الشعبي، وتحاول جهدها الحصول على اكبر قدر ممكن من التأييد الدولي الايجابي ، وان تتجنب العداوات، بأنواعها.
* * *
ولعل من أفضل وأوضح «الأمثلة»، التي تشرح ما ذكرنا: ما كان لمصر من نفوذ واسع في العالم العربي... بسبب ما كان يتوافر لديها من قوة ناعمة، في العقود الخامس والسادس والسابع من القرن الماضي. وما تعاني منه أقوى دول العالم حاليا، وهي الولايات المتحدة، من «ضعف» ملحوظ في قوتها الناعمة... فهذه الدولة، التي تمتلك الآن أقوى «قوة خشنة» في العالم، تفتقر – بسبب كثير من سياساتها السلبية – لتأييد (ورضا) معظم الرأي العام العالمي، وبخاصة في العالمين العربي والاسلامي، لتلاعبها وعدم التزامها الحقيقي بالمبادئ السامية... حتى تلك التي تدعي حمايتها. فهي تشن العدوان تلو الآخر على بعض الشعوب، لتقتل أعدادا منهم، وتدمر بلادهم، دون مبررات صحيحة، وتؤيد الطغيان والصهيونية، وتعمل على تحقيق أهدافها البشعة... ضاربة بعرض الحائط كل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية... ناهيك عن ممارسة: الكذب والخداع، واستخدم المعايير المزدوجة... الخ، مما هو معروف عن السياسة الأمريكية المعاصرة... الناجمة عن: هيمنة الصهيونية (وبعض أصحاب المصالح الخاصة) على صناعة القرار السياسي الامريكي. والنتيجة كانت – وما تزال – رفض ومعارضة اغلب مثقفي ومفكري العالم لهذه السياسة، وللدولة التي تمارسها.
ولاشك أن هذه الحقيقة تثبت وجود خلل في القوة الناعمة الأمريكية... وتضعف (بالتالي) الموقف العالمي العام لأمريكا... رغم صلابة وتنامي قوتها الخشنة. وهذا ما قاله – صراحة وضمنا – المفكر الامريكي «فرانسيس فوكوياما»، في كتاب أصدره مؤخرا - في مارس 2006م - بعنوان «أمريكا في مفترق طرق»، عن مطبعة «جامعة ييل». ولعل ذلك يؤكد هذه الحقائق، ويبعد عنها شبهة «الرؤية المتحاملة»- كما قد يعتقد بعض «المتأمركين»...؟!