الحكومة العراقية.. بين الطائفية والديموقراطية
لا يمكن وصف الحكومة العراقية الجديدة، التي تشكلت الأسبوع الماضي، بغير أنها طائفية. لقد جرى تقسيم الحقائب الوزارية، لتشمل الخارطة الطائفية التي تتشكل منها الجمعية الوطنية. في الحقيقة: لقد تقاسم الحكم في العراق كلٌ من الأكراد والشيعة. حتى الحقائب والمناصب التي تُركت لجبهة التوافق العراقية.. وجبهة القائمة العراقية، كانت من قبيل (رفع العتب وذر الرماد في العيون)، أكثر منها محاولة جدية لإخراج حكومة وحدة وطنية. ومما يزيد من قتامة صورة الاستقطاب الطائفي في الحكومة العراقية الجديدة، عدم مشاركة جبهة الحوار الوطني، بقيادة صالح المطلك، التي كانت تعكس وجهاً ليبرالياً للساحة السياسية العراقية، يقوده العرب السنة... كما هو حال جبهة القائمة العراقية بزعامة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، التي تمثل بدورها، الوجه الليبرالي في الساحة السياسية الشيعية.
قائمة الخاسرين في معركة تشكيل الحكومة العراقية، لم تشمل فقط العرب السنة، وكذلك الليبراليين والقوميين، بل إن الدولة نفسها، خسرت هويتها العربية. بعد أن ذهبت رئاسة الدولة وحقيبة وزارة الخارجية.
الأمر الخطير هنا: استناد هذا التحول في شكل الدولة والحكومة في العراق، على آلية الديموقراطية. سنتجاوز هنا الظروف التي سادت قبل تشكيل الجمعية الوطنية، التي قادت إلى نتيجة الانتخابات التشريعية، في يناير

الديمقراطية تعكس قِيَمِياً صورة التعددية
السياسية في المجتمع وليس تقسيماته الطائفية

الماضي، وتم على ضوئها توزيع المقاعد في الجمعية الوطنية، ومن ثَمّ تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة. ولكن الذي يصعب تجاوزه: أن تسفر الخلفية الطائفية عن وجودها في الساحة العراقية، بكل هذه الصورة المشوهة لمفهوم الديموقراطية.
الديمقراطية من المفروض أن تعكس، قِيَمِياً وحركياً، صورة التعددية السياسية في المجتمع وليس تقسيماته الطائفية والعرقية والمذهبية، التي عادةً ما ترسم خطاً فاصلاً حاسماً بين فئات المجتمع، يتطور من خلاله شكل من أشكال استبداد الأغلبية. الديموقراطية، في النهاية: لا تبرز صورتها الحقيقية، إلا إذا وضعت في إطار من القيم الليبرالية المتسامحة، بعيداً عن الاستقطاب الطائفي والمذهبي والعرقي الحاد. الديموقراطية -بهذه الخلفية التعددية السياسية- وإن ضمنت حكم الأغلبية، إلا أنها تحول دون استبدادها، بالتأكيد على حماية حقوق.. وحريات الأقليات.. والإبقاء على جذوة الأمل لدى المعارضة في الحكم، أو على الأقل المشاركة فيه.
جميع التكتلات الرئيسية، في العراق التي ظهرت في تشكيلة الحكومة العراقية الجديدة، تعكس التوجهات الطائفية والعرقية والمذهبية، في المجتمع العراقي، وكأن الحكومة الجديدة خُطط لها لتكون ساحة لتسوية ثارات تاريخية، أكثر منها محاولة جادة وفاعلة لبناء عراق عصري حديث وموحد، كما تزعم واشنطن، في جانب من جدلها لتبرير غزو العراق.
كما سبق وذكرنا: عدا جبهتي القائمة العراقية ( 44 مقعداً ) وجبهة الحوار الوطني (11 مقعداً)... الأولى مُثلت في الحكومة على استحياء، في وزارات هامشية... بينما الثانية مورِسَت عليها ضغوطات سياسية بهدف إقصائها من الحكومة، حتى اختارت أن تنسحب من تشكيلة الوزارة الجديدة، اقتسم الحكم، في بغداد، الشيعة (جبهة الائتلاف العراقي الموحد 128 مقعداً) والأكراد (التحالف الكردستاني 53 مقعداً).
وإذا أضفنا إلى التشكيلة الطائفية للحكومة العراقية، ولاءات الأغلبية الحاكمة (الشيعية) الإقليمية، نستشعر عامل عدم الاستقرار الداخلي والإقليمي المتوقع من جراء هذا التطور.
إقليمياً: إيران هي اللاعب الرئيس من وراء الستار، في معركة تشكيل الحكومة.. وقبل ذلك في حلبة الانتخابات النيابية. حتى الأمريكيون لم ينجحوا في الحفاظ على الحد الأدنى من متطلبات تشكيل حكومة وحدة وطنية، كما كانوا ينادون، بعد أن ساهموا في إظهار نتيجة الانتخابات النيابية الأخيرة.. وكذلك تشكيلات الحكومات المؤقتة السابقة.. وتشكيلة مجلس الحكم، قبل ذلك، لتعكس الواقع الطائفي للمجتمع العراقي، بالصورة السياسية الحاسمة والقاتمة، التي تجلت، بصورة واضحة، في تشكيلة الحكومة الجديدة، في بغداد.
مرحلة من عدم الاستقرار الداخلي في العراق، ستكون لها تداعيات إقليمية سلبية، سيشهدها العراق والمنطقة، في فترة الأربع سنوات القادمة... هذا إذا استطاعت حكومة نوري المالكي أن تصمد، هذه المدة.