من المفيد، وأبناؤنا يعيشون هذه الأيام همّ الامتحانات ومعاناتها، أن نسأل أنفسنا هل تحقق الامتحانات في مدارسنا وجامعاتنا أهدافها؟ وما هي هذه الأهداف؟ لا شك أن الامتحانات أخذت على مر العصور، وما زالت تأخذ، مكانة مرموقة ضمن العملية التعليمية بل إنها تعتبر جزءاً لا يتجزأ من هذه العملية. الامتحانات تعني التقويم. وعندما يقوم المعلم بتعليم طالب شيئا ما فإنه يرغب في معرفة أثر هذا التعليم عند الطالب. بمعنى آخر هل استوعب الطالب ما سمعه منه على الوجه الصحيح؟ وهل يشمل ذلك كل ما سمعه أم أن هناك بعض نواحي الغموض التي تحتاج إلى المزيد من الشرح والإيضاح. ويمكن إطلاق مسمى «الجانب التشخيصي» على هذه الفائدة من فوائد الامتحانات، وقد يكون هذا الجانب من أقدم الجوانب. ولكن استعمالات الامتحانات تعدت هذا الجانب بكثير وأصبحت متعددة، فهي تستعمل لتحديد مسار الطالب ومستواه في العملية التعليمية وهل يمكن السماح له بالتقدم إلى مستوى أعلى ضمن سنوات الدراسة أم لا. كما أنها تستعمل كوسيلة لتحديد قبوله في الجامعات أو المعاهد العليا. كذلك تستعمل الامتحانات كوسيلة لإثبات حسن تدريب الخريجين وتأهلهم للتخرج في مجالات معينة أو للتأكد من مستواهم قبل الترخيص لهم من قبل الهيئات المهنية المختصة بمزاولة مهن معينة كالهندسة والطب والتعليم والمحاسبة والتمريض وغيرها. وكثيرا ما يعتمد تعيينهم في وظائف مرموقة بعد التخرج أو قبولهم للدراسات العليا على التقديرات العالية التي يتحصلون عليها أثناء دراستهم. ومن الطبيعي، والأمر كذلك أن تصبح الامتحانات سببا في إعاقة البعض عن الدخول في مجال من مجالات التعليم أو العمل التي يرغبون فيها. ومن الطبيعي كذلك أن ينظر البعض إلى الامتحانات على أنها كابوس ثقيل أو شبح مرعب بسبب احتمال الإخفاق أو الرسوب. ومع ذلك فمن المسلم به أن الامتحانات تلعب دوراً ذا أهمية كبيرة كدافع للجد والاجتهاد في الدراسة والتحصيل لضمان النجاح والتفوق والحصول على الشهادات أو التراخيص المهنية. ومن ناحية أخرى، تساعد

هل استفاد الطالب مما تعلمه؟ وهل يمكن له تطبيق علمه لحل مشاكل تواجهه فيما بعد؟

الامتحانات الطالب على اكتشاف الفروع التي يمكن له فيها التميز والإبداع، وبهذا تحدد له الاتجاه الأفضل في مسيرة حياته المستقبلية. والواقع أن الفهم الصحيح لدور الامتحانات واتباع الأساليب المثلى في صياغتها وطرحها وتهيئة الطلاب لها التهيئة المناسبة، تعتبر من العوامل التي تساهم في الاستفادة من الامتحانات كوسيلة تربوية مهمة وتساعد على تقليص الخوف منها أو المعاناة المستمرة بسببها.
ومع تنوع استعمالات الامتحانات تنوعت أشكالها. هناك امتحانات شفهية وتحريرية وعملية وسريرية (للأطباء). وهناك امتحانات يطلب فيها من الطالب كتابة تقرير أو عمل بحث أو تقديم موضوع معين ومناقشته أمام جمهور من الطلاب و الأساتذة. أما الامتحانات التحريرية، وهي الأشيع، فأصبحت تأتي في أشكال مختلفة مثل الأسئلة الإنشائية الطويلة أو القصيرة أو الأسئلة متعددة الاختيارات التي يختار فيها الطالب الإجابة بوضع إشارة دون الحاجة إلى كتابة كلمة واحدة. وهذا النوع الأخير يمكن تصحيحه آلياً بواسطة ماسحات ضوئية مبرمجة لهذا الغرض، وهو مناسب للأعداد الكبيرة من الطلاب. ولكل نوع من الامتحانات، استخدامات معينة، فبعضها يقيس مستوى المعرفة عند الطالب، وبعضها يقيس مستوى الفهم، أو القدرة على التعليق و التحليل والنقد، أو على تطبيق الفعلي للمعلومات المكتسبة في حل المعضلات. أما الامتحانات العملية فهي ضرورية لقياس القدرات العملية والمهارات المكتسبة. ويمكن استعمال نفس النوع من الامتحانات لقياس جوانب مختلفة من هذه القدرات وفقا لطريقة صياغة الأسئلة. ويفضل بعض المدرسين استخدام أكثر من نوع واحد من الامتحانات لقياس القدرات المختلفة لدى الطالب. وفي الجانب الآخر يحتوي كثير من أنواع الامتحانات على جوانب ضعف قد تؤثر على فاعليتها، أو تؤدي إلى عواقب كبيرة إن لم يتم الانتباه إليها. مثال ذلك الامتحانات الإنشائية التي قد تشجع على الاستظهار بدلا من الفهم المتعمق والتحليل المنطقي.
في واقع الأمر أصبحت الامتحانات علما واسعا أو تخصصا قائما بذاته لا يستغني عن دراسته كل من يمارس التعليم أو يتحمل مسؤولية التقويم أو المفاضلة والاختيار بين مجموعة من الناس في شتى المجالات. ولم يعد من المقبول أن تجرى الامتحانات بطريقة عشوائية بل صار من المهم أن يتم تصميمها بدقة وموضوعية بحيث تقيس الأشياء التي وضعت لقياسها، وأن توضع بطريقة واضحة لا لبس فيها، وأن تكون مناسبة لمستوى الطلاب الذين يأخذونها، وأن يتم تصحيحها بموضوعية وعدالة.
وقد أدت أهمية الامتحانات، خاصة امتحان الثانوية العامة، إلى إنشاء جهة متخصصة هي المركز الوطني للقياس والتقويم في التعليم العالي الذي أوكلت إليه مهمة إجراء اختبارات القبول للمرحلة الجامعية. وتشمل هذه الاختبارات حاليا نوعين من الاختبارات الأول لقياس قدرات الطلبة ومهاراتهم واتجاهاتهم، والثاني لقياس التحصيل العلمي. هذه الخطوة الجيدة قد تشكل بداية الطريق، وليست نهايته، لتطوير الامتحانات في بلادنا، ولكنها ستتطلب خطوات كثيرة تتبعها في كافة المؤسسات التعليمية.
وهناك جانب مهم آخر هو تأثير نوع الامتحانات وأسلوبها على طرق التدريس من قبل المدرسين وأسلوب الدراسة والاستذكار عند الطلاب. الطالب يطمح إلى الحصول على أعلى الدرجات ويتبع أسهل الطرق المؤدية إلى ذلك. فإذا كان الاستظهار، أي الحفظ عن ظهر قلب، هو أفضل الطرق المؤدية إلى التفوق، فإن الطالب سيتبع ذلك الأسلوب ، كما أن المدرس سيتماشى مع هذا الأسلوب ويساعد عليه بل يكافئه. والنتيجة هي أن التعليم يتحول إلى عمليتي تلقين واستظهار، مثل ما هو حاصل عندنا وفي كثير من الدول النامية، للأسف، في أحيان كثيرة. وفي رأيي أن عملية تطوير المناهج أو تطوير العملية التعليمية عموما، يمكن أن تنطلق من نقطة تطوير أساليب الامتحان بحيث يتم تطوير امتحانات لا تشجع على التلقين والاستظهار بل على الفهم المتعمق والتقويم الجيد والاطلاع الواسع ولاعتماد على الذات في البحث عن المعلومات والنقد والتمحيص واستخدام رصيد المعلومات في اتخاذ القرارات الصائبة لحل المعضلات التي تواجه الطالب والخريج في الحياة العملية.
تطوير الامتحانات بالطريقة الصحيحة يمكن أن يجعلها دافعا كبيرا للتعلم ووسيلة لتطوير المناهج وطرق التدريس بدلا من كونها الشبح والكابوس اللذين تمثلهما الآن عند الكثيرين.