بعض الكلام
لعنة الاختبارات.. والحجر الجاهلي
ذات يوم، وذات قصيدة، وفي لحظة من لحظات الزهو والازدهار، أبصرهم شاعرنا وأستاذنا الجميل محمد الثبيتي، وهم يحملون حقائبهم وأحلامهم، ويرتدون ملابسهم البيضاء فأنشد قائلاً:
«أقبلوا كالعصافير يشتعلون غناءً .. فحدقت في داخلي
كيف أقرأ هذي الوجوه .. وفي لغتي حجر جاهلي»
هكذا كانت أحلامهم وقلوبهم وملابسهم البيضاء تنساب في مسارب الحياة وهكذا كان الشاعر ببصيرته النافذة يستشرف المستقبل القريب والزمن القادم..
وأمس.. أمس فقط، وأنا أقرأ وجوه الطلاب والطالبات بعد لعنتي الرياضيات والإنجليزي، وأقرأ ما دشنته الصحف عن صعوبة الأسئلة، وما سرده الصديق د.ياسر سلامة عن معاناة من يعرفهم من أوائل الأوائل الذين يعرفهم واحتاسوا في الإجابة عليه مثلما احتاس أساتذتهم.
والآن وبعد كل هذا الكلام.. والحبر الكثير.. بعد كل هذا.. وكما توقعت الأسبوع الماضي ألا يحق لنا أن نتساءل عن السبب في كل هذا.. وحتى أكون صادقاً.. ولا أحمل الآخرين أخطاء الآخرين.. أرجع المسألة كلها إلى مناهجنا.. كثافتها.. تشعبها.. زحمتها.. تناثر أفكارها وموادها.. اعتمادها على التلقين.. اختلاط المهم.. بالأهم.. بالذي لا داعي له.. عدم تحمس المدرسين بسبب خسائر الأسهم وكثافة التكليفات غير التعليمية والتسرع في إعداد وبرمجة الخطط وإعادة إلغائها.. انكسار الطلاب أمام قاعات درس غير مؤهلة ومدارس غير ملائمة.. وإحساس معتم بعدم جدوى البحث والتعلم والسير في ركب المعرفة..
والهاجس الأعظم الذي يلخبط كل هذه الأوراق هو هاجس الوظيفة.. فنحن نربي ذوات وعقول أبنائنا على أن الدراسة هي المعبر الوحيد للوظيفة والشهادة هي وسيلة الحصول على العمل.. لنكتشف بعد ذلك بأن كل شيء خطأ في خطأ.. فالأكاديميون الذين ضيعوا عمرهم بين أروقة الجامعات اتجهوا إلى القطاع الخاص أو العمل مستشارين لدى الوزراء والأمناء.. وأصحاب الشهادات صاروا يعملون حراس أمن أو قناصي فرص في ظل هيمنة أصحاب الأفكار اللصوصية الخلاقة مثل نصابي سوا وهوامير الأسهم..
في ظل اختلاط كل هذه القيم.. أو غيابها للأسف.. أليس الوقت قد حان فعلاً، لكي نراجع أنفسنا..
ونتساءل بصدق ولا أقول بحيرة.. ماذا ينتظرنا..؟!
ما هي ملامح المستقبل..؟!
ماذا نريد لأبنائنا.. قبل أنفسنا..؟!
أم نظل نرحّل الأزمات من جيل إلى جيل
ونردد مرة أخرى مع الجميل.. الجميل محمد الثبيتي
(كيف أقرأ هذه الوجوه ... وفي لغتي حجر جاهلي)
hbbj19 @ gmail.com