أعلن السيد نوري المالكي في الأسبوع الماضي تشكيل وزارته بعد خمسة أشهر من التنافس الحزبي بين الأحزاب الطائفية التي تحكم العراق. وقد شكلت الوزارة الجديدة من سبعة وثلاثين وزيراً وزعوا حسب محاصصة طائفية، تم بموجبها تعيين عشرين وزيراً من الطائفة الشيعية، وثمانية وزراء من السنة، وثمانية وزراء أكراد، ووزير مسيحي واحد، كما اشتملت الوزارة على أربع سيدات، وتم أيضاً توزيع وزارات السيادة في الحكومة الجديدة على المكونات الطائفية الثلاث، فاستمرت سيطرة السنة على وزارة الدفاع، واستلم وزارة النفط شخصية شيعية، واستمر وزير الخارجية الحالي (هوشيار زيباري) في منصبه. وخصصت وزارتان للشؤون الأمنية، إحداهما تولى حقيبتها الوزير الكردي (برهام صالح)، أما الأخرى وهي المهمة فهي وزارة الداخلية، التي لم تتمكن الأحزاب العراقية من إيجاد حل لها، فتولاها بصفة مؤقتة رئيس الوزراء السيد المالكي.
ولاشك أن أهم وزارتين في العراق في الوقت الحاضر هما وزارتا الداخلية والدفاع. وتنتقد الوزارة الأولى بهيمنة الميليشات المسلحة الشيعية عليها، خاصة قوات فيلق بدر، كما تتهم بالقيام بعمليات إبادة وقتل منظم ضد أبناء الطائفة السنية.
ويشتكي السنة في جنوب العراق من تهريب كوادر حزبية من إيران مع عائلاتهم بشكل مبرمج منذ انهيار نظام صدام حسين حتى الوقت الحاضر، وأن قوات بدر تقوم بتطهير عرقي في المدن العراقية

لاشك أن شرعية أي نظام سياسي تعتمد على
قدرته على تأمين الأمن والسلام لسكانه

في الجنوب ضد السنة، وضد الشيعة أيضاً من أبناء القبائل العربية. وتتم عملية إجلاء العرب في الجنوب العراقي أثناء الليل من بيوتهم وإحلال عائلات إيرانية مهجرة محلهم. وتهدف هذه العمليات التي تقوم بها قوات فيلق بدر وغيرها من القوات المتحالفة مع جماعات إيرانية، إلى تغيير الطابع البشري والسكاني لجنوب العراق. وقدر حجم السكان والعائلات التي اضطرت إلى الهروب من منازلها من السنة والشيعة بحوالى مائة ألف شخص.
وتتحدث الصحف الأجنبية أن الضغط العنصري ضد أبناء الطائفة السنية في العراق وصل إلى حد لجوء الأفراد إلى تغيير أسمائهم حتى لا تطالهم أيادي القتلة من أفراد المليشيات المسلحة.
وبينما يحاول السيد بلير والسيد بوش أن يعيدا تنظيم قواتهما في العراق وتسليم مزيد من المحافظات إلى قوات عراقية، فإن هناك تخوفاً شديداً من زيادة حدة المصادمات بين المليشيات الشيعية والسنية سواء في بغداد أو في مدن الجنوب والوسط العراقية. وبينما يهتم العالم والإعلام الأجنبي بمصير القوات الأجنبية العاملة في العراق،، فإن العالم العربي والإسلامي يهتم بصفة أكثر بمصير العراقيين أنفسهم من سنة وشيعة، فالعراق جزء مهم من العالم العربي والإسلامي وهناك حاجة ماسة إلى قيام الأمم المتحدة بدورها الحقيقي في الكشف عن الحقائق والمآسي التي تحدث كل يوم فوق أرض العراق، حيث يموت 79 شخصاً يومياً، في عمليات تفجير وقتل مبرمج. وللأسف فإن عمليات التطهير العرقي في جنوب العراق وفي بغداد لا تأخذ حيزاً يذكر من اهتمام الصحافة العربية أو الأجنبية، وهناك حاجة ماسة لكشف حقائق ما يحدث في العراق. فالعراق يعاني اليوم من احتلالات متعددة، سواء من الولايات المتحدة أو بريطانيا، أو من دول مجاورة أخرى تسعى لوضع قدمها في مناطق معينة من العراق، بقصد جعله قاعدة مستقبلية لأنشطتها السياسية والعسكرية، على حساب رجال العشائر العرب سواء كانوا من الشيعة أو السنة.
وإذا ما أرادت حكومة السيد المالكي بأن تحظى باعتراف عربي ودولي، فإن عليها بأن تكون أكثر حياداً وأقل نزعة نحو الطائفية مما كانت عليه حكومة السيد الجعفري، التي بالغت إلى حد كبير في ولائها لبعض دول الجوار وتناست طبيعة البلاد العربية وسمتها الإسلامية.
ولاشك أن شرعية أي نظام سياسي تعتمد على قدرته على تأمين الأمن والسلام لسكانه، وأن يكون محايداً في الصراعات السياسية التي تعصف ببلاده. ومثل هذا التحدي يعني أن تستعيد حكومة السيد المالكي وجه العراق العربي الذي فقد خلال ثلاثة أعوام من الاحتلال. فالعراق كان وسيبقى دولة عربية، ولا يمكن أن تقبل الدول العربية أو الشعب العراقي بمكوناته المختلفة والمحاولات الأجنبية لنزع الوجه العربي للعراق، أو قبول استمرار عمليات التطهير العرقي الحالية.