خريف العمر
بريك.. رجل الستين عاما:
لا أحد يسأل عنا !
حسين الحجاجي (جدة)تصوير: غازي العسيري
لازال يحمل نفسه رغم حملها الثقيل.. من التعب.. لازال يركض هنا وهناك يبحث عن مساحة الرزق.. فالراحة بالنسبة له هي محطة بعيده المنال والاسترخاء فكرة شاردة يستحيل أن تحوم أو تخطر له على بال.
الظروف تخرجه باكرا ونفس تلك الظروف الحياتية لا تعيده الا متأخرا.
يعترف بكل طيبة أن الحياة كانت قاسية .. لكن يتم لملمة تلك القسوة بهدوء الصمت.. إنما الحياة الان متشعبة ويصعب لملمة شتاتها.
تغطيها من هذا الجانب لكي يفتح رتقا كبيرا في الجانب الاخر.
و هكذا يستمر الدوران والدوران الى حد الإغماء.
هذه المرة كان مختلفا.
تلاشت تلك الدعابات الجميلة، وأختفى انبساط الجبين، وضاعت نظراته في زحام الهم.
( بريك السلمي – 60 عاما ) يلتقط أنفاسه في لحظة توقف مترقبا فيها مشوارا لراكب قال :
أستريح، دلني وكيف يستريح رأس يضج بالهم،
لم أكن هكذا قبل أربعين عاما أو أقل، كانت الاحتياجات محدودة ولا تخرج عن طاقة الانسان لكنها الان تتعدى حدودك وإمكاناتك وتجبرك حتى الى الاقتراض.
استعادة الذكريات
حينما أسترجع الذكريات أجد أنني قبيل الغروب كنت ألتجئ الى بيتي هناك في ( الغريف ) أحمل من الهدوء والراحة ما يساعدني على وضع رأسي على الوسادة وأنام على الفور.
الآن ربما تقلبت وتقلبت حتى ينتصف الليل ومع ذلك أستيقظ بحال لا يعلمها الا الله.
في الماضي كنت استيقظ مع الطيور – أركض من أول النهار الى آخره في طلب لقمة العيش ولا أشعر بهذا التعب.
أرحل مع الغنيمات أو الأبل للرعي من الفجر ولا أرجع للبيت الا عند الغروب، ومع ذلك أجدني مرتاح البال، ولا أحمل من الهم سوى التفكير في وضع تلك الغنيمات أو ناقة ستلد.
كنت أشتهي الطعام وأجد له من العافية ما أتلذذ به وأستطعمه بشهية، وماذا كان الطعام لا يخرج عن ذرة أو بر يعمل بشكل أو آخر لكنه يشدني بالصحة.
الان ومع كثرة الخير واختلاف أنواع الطعام الا أنني لا أشتهيه وان تناولته لا يخرج عن كونه طعاما يسكت جوع المعدة فقط.
كنت أقطع المسافات الطويلة في التنقل للرعي هنا وهناك والآن صار المشوار الذي لا يتجاوزخطوات يرهقني.ارهاقا نفسيا.. الان أصبح الارهاق ليس هو ارهاق الجسم وإنما النفسية تغيرت فلم تعد مثل ما كانت في الماضي والقضية ليست قضية طعام أو أكل إنما قضية (نفسيات) تهشمها هموم الحياة العصرية بكل أوجاعها.. خذ مثلا لي ابن يبلغ العشرين من عمره معاق، أخذ من تفكيري الجزء الاعظم وأستقطع من همومي الشيء الكثير ولازلت أفكر فيه لدرجة أنني أحيانا كثيرة أنسى أين أوقفت سيارتي كنت أعمل حارسا في مدرسة ثانوية لكنهم استغنوا عن خدماتي وأصبحت لا أجد بابا للرزق سوى (التحميل ) على سيارتي هذه متى وجدتها سليمة ولم يلم بها عطل ؟
أسدد فاتورة الكهرباء لكي تأتي فاتورة التليفون أنتهي من سداد الهاتف لكي أسدد قيمة إصلاح عطل بسيارتي أنتهي من السيارة لأجد نفسي ملزما بسداد البقال وحالما أنتهي من ذلك أحمل أنبوبة الغاز واحتياجات البيت والاسرة والاولاد هذا خلافا عن فاتورة العلاج.
وهكذا يستمر الحال وبهذه الخطوات في عمر وصل لغاية الان الى الستين.
ألم أقل لك أنها دوامة لا ترحم.
دوامة ما عرفتها في ذلك الزمن... والسبب أن عيشتنا كانت لا تمتد بهذا الطول وهذا العرض في المتطلبات الحياتية لكن مما أحمد الله عليه هو أنني أسكن في بيت ( ملك ) بيت بنيته في يوم ما بعدما بعت كل الاغنام والأبل التي كنت أملكها ووضعت عليها ما قمت باقتراضه من هنا وهناك وأصبح لأولادي بيت لا أحد يطرق بابه بحثا عن إيجار متأخر.
هذا إنجاز لا زلت فرحا به بحيث أنني أظل وأبنائي مستوري الحال.
لا أحد يكشف وضعنا أو يطلع عليه سوى الله تعالى.
وماذا عن الناس والاحباب والاصدقاء؟
- هذه من الاشياء العزيزة أقصد النادرة في هذا الوقت، الناس لم تعد كما الوضع في الماضي.
في الماضي أن تغيبت عن الصلاة افتقدوك وسألوا عنك حتى ولو بالطرق على الباب.
الآن لو تغيبت أشهرا ربما لا يفتقدك أحد ربما المقربون لك من أهلك فقط. بل ربما مات الانسان ولم يعرف بذلك أناس الا بعد مدة من موته،
أحوال الناس تغيرت والسبب أن الجميع بات مشغولا بنفسه ومنهمكا في رزقه ولا وقت لديهم.
أضف تعليقك