كلام في الاقتصاد
اسواق الاسهم الخليجية
د.عبدالرزاق كامل
التدهور الذي اصاب اسواق الاسهم الخليجية منذ شهرين ونيف امر يدعو الى الغرابة في الوقت الذي تشهد فيه اسعار النفط العالمية ارتفاعا مستمرا لم يسبق له مثيل مما ينعكس ايجابا على اقتصاديات الدول الخليجية التي تمثل النمور الشرق اوسطية.
وإن متابعة مسيرة هذه الاسواق بين فترة صعود على مدى عدة اشهر حتى بلغت مستويات عالية جدا الامر الذي ادى الى تدفق الاستثمارات الى هذه الاسواق بشكل لم تعهده في هذه المجتمعات من قبل. فقد عمد الكثيرون الى بيع بعض ممتلكاتهم او اللجوء الى الاقتراض ليوفروا الاموال التي قاموا بضخها في هذه الاسواق. وفجأة أصيبت الاسواق بهزات أدت الى هبوط شديد في اسعار هذه الاسهم الامر الذي شكل كارثة للمشاركين في السوق، فانهارت اعصاب الكثيرين وادخل عدد منهم غرف الانعاش في المستشفيات.
وكانت السلطات ذات العلاقة تتخذ بين الحين والآخر تدابير لمعالجة الموقف. وكلما اتخذ احد هذه التدابير تظهر الشاشة في اليوم الثاني خضراء (في معظم اجزائها) ويرتفع المؤشر العام، ولكنه يعود في الايام اللاحقة متذبذبا ثم يغلب عليه اللون الاحمر من جديد.
ولقد كان لبعض الفضائيات العربية دور في تفاقم هذه الامور من خلال برامجها اليومية باستضافة خبراء ماليين (معظمهم لم يكن معروفا على مدى واسع) يدلون بتصريحات وآراء سطحية لا تستند الى دراسة متعمقة او توصيف واضح لاسباب الازمة بل تقتصر على تنبؤات متفائلة يتلقفها المستمعون وهم يحلمون بنتائج افضل.. ويدلي الخبير برأيه ليأتي غيرة في اليوم التالي وينسى الناس من الذي قال وماذا قال. ويتنصل البعض من تصريحاتهم الشفهية حين يتبين للناس خطأها.
ان وضع اسواق الاوراق المالية الخليجية يذكرني بما حل بأسواق النمور الآسيوية (في جنوب شرقي آسيا) منذ سنوات حيث لعبت بعض الجهات العالمية دورا تآمريا ضد اقتصادات هذه الدول لتحدث فيها اضطرابات اجتماعية تهز استقرارها وتقلق شعوبها. وإنني اخشى ان يكون الامر نفسه مكررا الآن، وكأن هناك من يريد ان يسترد من هذه الدول الدخول الاضافية التي حققتها من الارتفاع الشديد بأسعار النفط، والذي لم يكن لهذه الدول دور فيه، بل انها على العكس كانت جميعها تسعى لتهدئة السوق وازالة الاحتقان منه. ولا ازال اذكر العبارة التي قالها أحد رجالات السياسة بمناسبة ارتفاع النفط في طفرة السبعينات وهي: سنستعيد منهم اي دولار اضافي حصلوا عليه من النفط.
وهكذا فإن الازمة الحالية تبدو لي ذات طبيعة خاصة تخرج عن شروط السوق وعملياته وأن هناك من أعد السيناريو وقام بتنفيذه بكل همة ونشاط. ولذا فإن الحلول التقليدية التي تقوم بها بعض الدول لن تكون ذات جدوى. وعلى الدول الخليجية ذات العلاقة ان توكل الامر الى فريق متخصص بمعالجة الازمات يتعرف على مصادر الازمة ومسبباتها ثم يتخذ قرارات استثنائية من شأنها ايقاف النزيف وتقديم بعض العلاج للضحايا الذين سقطوا ثم اعادة ترتيب الاوراق للحيلولة دون اي تسونامي جديد يصيب المنطقة.
ولا بد هنا من الاشارة الى التدابير الاستثنائية التي اتخذتها الحكومية السورية قبل عدة أشهر لصد الهجمة الشديدة على العملة الوطنية التي رافقت التهديدات الامريكية على سوريا، إذ قام المصرف المركزي بضخ مبالغ ضخمة من العملة الاجنبية الى السوق المحلية الامر الذي زاد الثقة بالاقتصاد الوطني ومتانته وأمكن بذلك تجاوز الازمة بنجاح.
ان الامل كبير ان تنجح الدول الخليجية باجتياز الازمة والوصول الى بر الامان وان تفوت الفرصة على الحاقدين عليها والمتآمرين على اقتصادياتها.. والله الموفق.
أضف تعليقك