رفيف الكلام
آخر صعاليك الجزيرة العربية
فيما اتذكر عبدالله نور - الآن- اتذكره حزينا ومعتزلا وصعلوكا كبيرا.. اتذكر في شخصه وفي نصه الحنين الى الازمنة الجميلة الخارجة من الذاكرة والذاهبة في النسيان، حيث كان هذا الاسمر الطويل الناحل احد رموز الجمال، واحد فرسان الكلمة الباذخة والانيقة، اراه الآن حاضرا يرتقي سلالم البهجة والاشراق عندما يقرأ الشعر وعندما يبحر في قراءة التراث وينتقي منه الرائع والرائق والمختلف، يحلق حينما يروي ويحكي.
تسمع منه بالقاء نادر قصيدة «دان دان» لفواز عيد وتسمع منه «لامية العرب» للشنفرى فاذا بك امام عبدالله نور التراثي والحداثي في آن.
من جيزان ارسلت قصيدتي «البكاء تحت خيمة القبيلة» الى مجلة اليمامة وكان يشرف على صفحاتها الثقافية الصديقان المبدعان عبدالله الصيخان ومحمد جبر الحربي وكانت المفاجأة لي وبعد اسبوعين تقريبا واذا بي ارى قصيدتي منشورة مع قراءة نقدية لها، ولمن.. للاستاذ عبدالله نور. نعم كانت تلك القراءة احد أهم وأجمل اللحظات والمحطات في حياتي وفي تجربتي الكتابية والابداعية ولقد قدّم عبدالله نور قراءة مقارنة بين قصيدتي وقصيدة «القمر» للشاعر الانجليزي ديلان توماس والتي لم اكن اراها واقرأها، ناهيك عن معرفة شاعرها، ولكن وبعد فترة قصيرة دارت الايام دورتها واذا بي اجد نفسي مدعوا لمهرجان «المربد» الشعري في العراق وهناك اجد نفسي امام مترجم ديوان ديلان توماس انه الاستاذ جبرا ابراهيم جبرا، ثم اجدني احصل على ذلك الديوان الذي يحتوي على دراسة معمقة عن الشاعر وحياته، ومن ضمنها قصيدة القمر، وهذا يعني ان عبدالله نور كان قارئا كبيرا، متابعا دقيقا ومثقفا لافتا، لا طارئا و يملك وعيا مبكرا بالحداثة، ودليل ذلك قراءته للشاعر الانجليزي ديلان توماس، وغيره من الشعراء العالميين.
عبدالله نور رأيته فيما بعد في جيزان، زائرا لها يلتقي مع اخرين كتاباً ونقاداً ومبدعين، مع ادبائها ومبدعيها وعريسا في ليلة جيزانية ثقافية وابداعية لا انساها كان فيها باهرا -ساطعا- ثم زائرا وضيفا لي في منزلي في جدة منذ سنوات كنت ولازلت اتذكره ذلك الجامح الممتلئ بالبهاء، يتباهى بحب الحياة، يعيش عبثيتها وفوضويتها وفيما هو يتمرد على المطمئن فيها والثابت فيها، كان بالمقابل يترمد في داخله بفعل اختلال الموازين، ومخاتلة الواقع لما يرى ويفكر، وخيانة الكلمة لمبدعها وكاتبها، كأنما كان يرى نفسه هو «الصح» وكل ما عداه خطأ هو النظام في مقابل الفوضى، النقيض ضد النقيض.
عبدالله نور احد آباء الحداثة السعودية وأحد العّرابين الكبار لكل موهبة جديدة تحتاج الى من يضيئها اتذكره فابكيه وبحرقة ذلك المشّاء في الطرق الطويلة والازقة الضيقة الشعبية والاحياء الفقيرة والحكّاء لكل صعاليك العالم والعرب من الشنفرى وعروة بين الورد، وسليك بن السلكة حتى اساطير الجزيرة العربية، واساطير عبدالله نور نفسه، نعم لقد كان اخر الصعاليك والفنانين الحقيقيين في زمن تلوّن فيه كل شيء وتغير فيه كل شيء.
أضف تعليقك