تعد فكرة العولمة من أكثر الأفكار التي جوبهت بالنقد الشديد منذ بداية انبعاثها، وشاركت في هذا النقد معظم الثقافات والمجتمعات على مستوى العالم برمته، التي أظهرت قلقها ومخاوفها من العولمة. ليس هذا فحسب فقد تحوّل الشارع إلى مسرح مناهض بقوة وعنف للعولمة كما ظهر ذلك في سياتل وبراغ، وفي العديد من العواصم والمدن الأوروبية والآسيوية.
كثافة النقد وقوة المعارضة ومناهضة الشارع ساهمت في إعادة التفكير في العولمة، ومراجعة حركتها واتجاهاتها، والعمل على تصحيح صورتها، أو هكذا كان يظهر على الملأ لجعل العولمة أكثر توازناً وضبطاً وعدالة، والتخفيف من سرعة حركتها، أو الإفراط في التفاؤل بنتائجها ومكاسبها.
وأشارت لمثل هذه المراجعات العديد من البيانات والتقارير والمواقف التي صدرت من أشخاص ومؤسسات وثيقة الصلة والتفاعل بحركة العولمة.
ففي إبريل 1999م أعلن مسؤولو البنك الدولي عن عزمهم لإعداد إطار تنموي جديد يركز على العوامل الاجتماعية والإنسانية، وصدر بهذا الخصوص في يناير 2001م، تقرير استراتيجي هو الأول من نوعه الذي يشرح رؤية البنك الدولي عن استراتيجيته الجديدة التي تؤكد على حماية الفقراء من مخاطر

يجري الحديث عن العولمة البديلة الأكثر
عدلاً من السائدة.. فهل تُؤنْسِنْ نفسها فعلاً؟

العولمة، وتمكين هؤلاء للاستفادة من منافعها الاقتصادية، الأمر الذي يقتضي كما شرح التقرير من الدول النامية تحسين شبكات الأمان الاجتماعي، وضرورة تحويل برامج الحماية الاجتماعية من أشكالها التقليدية التي تنحصر في تقديم المساعدة للفقراء، إلى قواعد انطلاق تتيح للفقراء الخروج من دائرة الفقر والانتقال إلى حياة أكثر أماناً.
وفي ديسمبر 1999م وخلال اجتماع منظمة التجارة العالمية الذي عُقد في سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية، دعا وزير الاقتصاد الفرنسي آنذاك كريستيان سوتيه إلى اعتماد ميثاق للعولمة من أجل أن تلتزم جميع الدول باستراتيجية مشتركة للتنمية المتبادلة، واعتماد قواعد عادلة في حقل التجارة، وحذر من اللامساواة التي يمكن للعولمة أن تخلقها على مستوى العالم. وفي يناير 2000م أطلقت الأمم المتحدة موقعاً على شبكة الإنترنت لغرض أن تستخدمه المؤسسات الكبرى والنقابات لتبادل وجهات النظر حول المشاكل المتعلقة بالعولمة.
وفي مؤتمر الأمم المتحدة العاشر للتجارة والتنمية اونكتاد الذي عقد في فبراير 2000م، بالعاصمة التايلندية بانكوك، دعا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في كلمة الافتتاح إلى ضرورة تقاسم فوائد العولمة بالتساوي بين الجنوب والشمال، وكان الهدف الرئيسي لهذا المؤتمر هو إشراك الدول الأكثر فقراً في العولمة، وبمناسبة اختيار برنامج الأمم المتحدة للتنمية، باريس لإصدار تقريره السنوي حول التنمية، في يونيو 2000م، اعتبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك بأن العولمة قد تكون خيرة وشريرة، ولذا من الضروري أنسنتها والسيطرة عليها.
وفي سنة 2000م أطلق منتدى دافوس العالمي، على أعماله شعار العولمة المسؤولة أو العولمة الرؤوفة، وفي سنة 2003م، ناقش المنتدى موضوع مدى إمكانية أن تكون العولمة أخلاقية.
وجاء في إعلان الألفية الذي صدر عن قمة رؤساء دول العالم الذي دعا إليه الأمم المتحدة في سبتمبر 2000م، بأن التحدي الرئيسي الذي يجب أن نواجهه اليوم هو أن تتحول العولمة إلى سلاح إيجابي من أجل الإنسانية جمعاء. وفي المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عُقد بمدينة كانكون المكسيكية في فبراير 2001م، اعترف الحاضرون بأن بعض الانتقادات التي وجهها معارضو العولمة يمكن الأخذ بها.
وفي هذا النطاق أيضاً جرى ويجري الحديث عن العولمة البديلة التي تكون أكثر عدلاً وتوازناً من العولمة السائدة والتي تنسب إلى الرأسمالية الغربية. لكن هل تقبل العولمة الأنسنة، وتؤنسن نفسها فعلاً؟
almilad@almilad.org