المسألة الأخرى التي أثيرت في الأمسية وتكررت أثناء المداخلات والتعقيبات على محاضرة الشيخ حسن الصفار في «أثنينية» الأستاذ عبدالمقصود خوجة تمحورت حول التصريحات التي أطلقت مؤخرا عبر شاشة العربية والمتضمنة التشكيك في ولاء شيعة العراق والخليج لأوطانهم ودولهم وبأن غالبيتهم يدينون بالولاء لإيران ومع انه جرى تصحيح مضمون تلك التصريحات (بعد أن وقع الفأس في الرأس كما يقول المثل) وبأن المقصود هو الولاء المذهبي وليس الولاء السياسي، وقد أثارت تلك التصريحات ردود فعل واسعة ومتباينة من خلال العديد من الكتابات في الصحف واللقاءات والتعليقات في الفضائيات و المنتديات والبيانات المعترضة والمؤيدة داخل العراق ومنطقة الخليج، حيث اعتبرها الشيعة أنها تشكك في عروبتهم وولائهم وانتمائهم العريق ضمن مكونات النسيج الاجتماعي والوطني لبلدانهم، وأنها دعوة إلى ضرب إسفين في علاقاتهم مع مجتمعاتهم من جهة، وبينهم وبين الغالبية المذهبية (السنية) من السكان من جهة أخرى، وفي المقابل فإن أوساطا سياسية (الإسلام السياسي) واجتماعية ودينية متنفذة اعتبرت هذا التصريح بمثابة تدعيم لتصوراتها وقناعاتها الراسخة التي تعتبر الشيعة فئة «طارئة» و«مارقة» لا تنتمي لبلدانها وللإسلام الصحيح من وجهة نظرها وأن آمال وتطلعات الشيعة تحكمها وشائجهم المذهبية والسياسية مع أطراف إقليمية (إيران) وإنها تتقاطع مع قوى دولية وإقليمية لها مصالحها وتوجهاتها الخاصة في الهيمنة على مقدرات المنطقة لأسباب جيو –سياسية واقتصادية وعوامل أيدلوجية ودينية تتمثل تارة في الصهيونية العالمية وإسرائيل وتارة أخرى بالصليبية الغربية والولايات المتحدة وذلك تحت عناوين مختلفة مثل تصدير الثورة وولاية الفقيه (إيران) أو نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والأقليات الاثنية والدينية والمذهبية كما هو مطروح من قبل الولايات المتحدة والغرب عموما، وحيث تسوق إسرائيل نفسها باعتبارها الدولة الديمقراطية الوحيدة

في الواقع أن معظم البلدان العربية فشلت
في إيجاد حل جذري لمشكلة أقلياتها

في منطقة يسودها التخلف والعنف والإرهاب والفساد والاستبداد.الحضور في تلك الأمسية كان مجمعا على التحذير من ترويج مثل تلك المفاهيم الخاطئة والمضرة وأكدوا على ضرورة التهدئة وعدم التصعيد وقطع الطريق أمام المتشددين من كافة الأطراف لتوسيع شقة الخلاف وبذر الفتنة، وإفساح المجال للحكمة والتبصر، والاحتكام إلى المسئولية الوطنية والأخلاقية والمبدئية المشتركة، مع الأخذ بعين الاعتبار حساسية الظروف والمرحلة الحرجة والدقيقة التي تمر بها المنطقة خصوصا في ظل ما يجري في العراق من انفلات امني وأعمال عنف وتطرف وإرهاب (ليس له علاقة بمفهوم المقاومة الوطنية) إلى جانب التجاذبات والصراعات والاحتقانات السياسية والاجتماعية والأمنية والتي تأخذ في الغالب بعدا دينيا وطائفيا واثنيا شديد الخطورة وقد تمتد (في حال عدم التوصل إلى توافق وطني داخلي بين الأطراف الأساسية الفاعلة) تأثيراتها ومفاعيلها إلى خارج الحدود، ودون إغفال النتائج المحتملة للمواجهة والخلاف المحتدم بين إيران (حول العراق ولبنان وسوريا وفلسطين والموضوع النووي) والولايات المتحدة والتي تنذر بأفدح العواقب في حالة اندلاع المواجهة العسكرية بينهما على مجمل الأمن والاستقرار في منطقة الخليج والمنطقة العربية بأسرها، والمطلوب هنا أن يكون للنظام العربي (الذي اتسم موقفه بالسلبية واللامبالاة إزاء الانتهاكات الفظيعة للنظام العراقي بحق كافة فئات الشعب العراقي وفي مقدمتهم الأكراد والشيعة) دور ايجابي يتسم بالمصداقية والحياد إزاء كافة الأطراف المتنافسة والمتصارعة في العراق وبما يصب في اتجاه إطفاء وإخماد بؤرة التوتر المتفجرة والخطرة هناك، واستعادة وحدته (أرضا وشعبا) واستقلاله وسيادته الوطنية وخلق الظروف المواتية لخروج قوات الاحتلال بأسرع وقت ممكن.المشكلة الطائفية في العالم العربي تندرج ضمن حالة اعم وأشمل هي مسألة الأقليات وأعني بذلك التقسيمات الاثنية والدينية والمذهبية واللغوية المختلفة التي تعيشها الدول العربية المعاصرة بدرجات ومستويات مختلفة، وفي الواقع فإن النظام العربي قد فشل في بناء الدولة الحديثة عبر صياغة عقد اجتماعي يحدد العلاقة بين السلطة والشعب ويقوم على أساس مفهوم الدولة/الأمة والمبادئ القانونية المنظمة للدولة المدنية والتي تستند إلى مفاهيم المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات والى قيم الحرية والعدالة والتنمية المستدامة والمتوازنة بين كافة المناطق ومكونات المجتمع، وترسيخ مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني (المستقلة) باعتبارها الفضاء والحيز المدني الواسع الذي يتجاوز كافة الانتماءات الفرعية (التقليدية) التي تنتعش وتنمو في ظل الاستبداد واحتكار السلطة والثروة والقوة وسحق الشعب ومصادرة الدولة والمجتمع المدني من قبل الأنظمة الشمولية التي تستخدم وتوظف الدين (تدين السياسة) والاثنية والطائفة والقبيلة والعشيرة والمنطقة (والذي يمثل نظام صدام حسين نموذجا صارخا لها) خدمة لمصالحها الضيقة، مما استدعى توظيفا معاكسا في تسييس الدين واستنهاض الانتماءات الفرعية (الاثنية والدينية والطائفية) المعاكسة ويشمل ذلك الإسلام السياسي (السني والشيعي على حد سواء) كما أن البنية الطائفية للنظام العربي يحفز الأقليات الأخرى على التمايز والتباين ويدفعها لتقوية عصبويتها. وإذا تفحصنا الواقع العربي نرى بأن معظم البلدان العربية فشلت في إيجاد حل جذري لمشكلة أقلياتها ففي مصر هناك الأقباط والنوبيون وفي السودان هناك المسيحيون في الجنوب وإقليم دارفور (المسلم) في الغرب وفي لبنان هناك 16 أقلية ومجموعة دينية ومذهبية وفي اليمن هناك الزيود والشوافع وفي العراق هناك الأكراد والشيعة والسنة والمسيحيون والكلد والاشور وفي الأردن هناك المسيحيون وذوو الأصول الفلسطينية وفي سوريا هناك السنة والعلويون والمسيحيون وفي الخليج هناك الشيعة و«البدون» والعمالة الآسيوية التي تشكل السواد الأعظم من السكان في بعض دولها وفي المغرب والجزائر هناك البربر والزنوج ناهيك عن التقسيمات القبلية والعشائرية والمناطقية السائدة في جل البلدان العربية.