على خفيف
جماعة «البوية» مازالوا حاضرين!
من الطرائف التي تروى عن البيروقراطية وبلادتها الذي كان وراء التأخر وضياع الحقوق وإبطاء لعجلة التحديث أو عرقلتها تماماً، ما يروى عن أمر أصدره أحدهم إلى أحد عماله بالوقوف عند مدخل أحد الأماكن القديمة ومنع الدخول إليها لأنه قد جرت عملية تجديد لدهانات الأبواب بالوقوف عند باب المكان لضمان جفاف الدهان وعدم دخول أحد وتخريبه باللمس أو سوء الاستعمال!
ولكن الذي حصل أن مُصدِر الأمر قد نقل بعد ساعات إلى جهة أخرى ضمن تنقلات مفاجئة، ولأنه لم يخبر الفرد الذي أمره بالحراسة، كما لم يبلغ من أتى بعده عن سبب ذلك الأمر، فإن ذلك العامل بعد انتهاء نوبته سلّم حراسة الباب لعامل آخر، وهكذا استمر تداول الحراسة سنوات طويلة حتى استلم الإدارة رجل حيوي جريء فتساءل عن أسباب وأسرار هذه «المناوبة» المستمرة ليل نهار على باب ذلك المكان وأمر بدخوله والبحث عن سر ما فلم يجد الباحثون شيئاً فرفعت الحراسة فوراً، ولم يذكر رواة الطرفة إن كان القوم قد علموا بأن سبب ما حصل هو «البوية» الجديدة القديمة أم أن إلغاء الحراسة والمناوبة تم دون السؤال أصلاً عن سبب المناوبة وبالتالي كان رفعها لعدم الحاجة إليها فقط لا غير!
ولعل الطرفة سواء صحت حكايتها أم لم تصح إنما هي رمز لنوع عاجز عن التطور والتفكير من البيروقراطية والسلوك الإداري الجامد.
ولو أردنا استعراض أنظمة إدارية ومالية عفا عليها الزمن وجاءت في ظروف مختلفة لتجمعت بين أيدينا العديد من الصور والأمثلة ومنها على سبيل المثال ما يلي:
1- تطلب صناديق التقاعد والمعاشات من المتقاعدين عندما يراجعونها في نهاية كل عام أن يثبتوا أنهم مازالوا أحياء، وإذا سئل الموظف من قبل أحد المتقاعدين كيف أثبت لك أنني حي ولست ميتاً ألا يكفي أن تراني واقفاً أو جالساً أمامك فيكون الجواب هذه هي التعليمات!
2- مازال الملف العلاقي الداكن اللون ساري المفعول وكذلك ورق الكربون الأزرق لعمل المحاضر وصور منها في زمن الحاسب الآلي والطابعة السريعة والملفات الآلية، ولم تزل صكوك وأوراق هامة تكتب بالحبر الصيني وبخطوط تشبه لوحات «بيكاسو» وبطول يزيد عن طول غلام يافع لم يندم بعد!!
3- أما دورة المعاملات بين قسم وآخر وبين إدارة وأخرى فإنها باقية على عهدها المتاخم للعصر الحجري والحاصل أن جماعة «البوية» معذورون لأنهم عاشوا قبل قرن، ولكن هل هناك من عذر للممسكين بتلابيب البيروقراطية في القرن الحادي والعشرين؟!