أكتب مقالي هذا من على متن الطائرة التي تُقِلَّني إلى جدة بعد حضور المؤتمر الطبي السنوي للغدد الصماء والسكر «American Association of Clinical Endocrinologists» المنعقد هذا العام في مدينة شيكاغو، وفي كل عام أحضر فيه هذا المؤتمر أرى ازدياد عدد المشاركين من الأطباء الاستشاريين في هذا التخصص يقصدون المؤتمر من كل الأقطار، وهم يتعدون الألف طبيب كل عام.
وخلال خمسة أيام يتم عرض آخر التطورات في التخصص، وتبدأ المحاضرات الساعة السادسة صباحاً وتنتهي الحادية عشرة ليلاً في معظم الأيام، علماً بأن في كل ساعة تقدم أكثر من محاضرة في الوقت نفسه ويصبح الطبيب في حيرة من أمره ويتساءل أي المحاضرات أولى وأنفع من غيرها حيث أن معظمها هامة.
وما ينطبق على المؤتمر السنوي للغدد الصماء والسكر، ينطبق على عشرات المؤتمرات ذات التخصصات الأخرى، بل قُل المئات مما يجعل أمريكا محطة التقاء لأطباء العالم.
ولم يتأثر كثيراً عدد المشاركين في هذه المؤتمرات الطبية بعد الحادي عشر من سبتمبر ومازالت شريحة كبيرة من أطباء العالم العربي الحاصلين على البورد الأمريكي وغيرهم يحرصون على حضور هذه المؤتمرات عاماً بعد عام كل حسب تخصصه، ويعود الطبيب منَّا مشبعاً وقد أثرى عقله وجدَّد علمه، وقد أصبح هذا النوع من التحصيل العلمي والمراجعة ذا أهمية

هذه الدول لن تجتذب عقول العلماء فهم ليسوا بحاجة لها بل هي التي بحاجتهم

قصوى للأطباء. فمن الصعب على الطبيب منَّا أن يواكب التطورات ويتابع نتائج الأبحاث والدراسات في هذا العصر الذي لا تشرق فيه شمس يوم إلاَّ وقد استُحدث في الطب شيء جديد أو صدرت دراسة جديدة وبحث جديد أو خرج للأسواق دواء جديد، بل ويعتقد بأن 5% من الطب يتغير كل عام ويتطور ويتبدل وبذلك فإن الطبيب الذي لا يتابع التطورات الجديدة من أبحاث ودراسات على مدى خمسة أعوام فكأن ربع ما يعرفه يصبح أقرب للخطأ منه إلى الصواب.
وكما ذكرت سابقاً فإنه بالرغم من الإجراءات الأمنية التي يخضع لها كل زائري أمريكا للحصول على الفيزا لحضور المؤتمرات إلاَّ أن عدد المشاركين كما ذكرت سابقاً لم يتأثر كثيراً بعد الحادي عشر من سبتمبر، ومازالت أمريكا تتصدر الدول قاطبة في قدرتها على إقامة ورعاية المؤتمرات الطبية واجتذاب الأطباء من مشارق الأرض ومغاربها.
وتحاول دول أوربية جاهدة إقامة بعض المؤتمرات الطبية الناجحة ولكنها مجتمعة لا تشكل جزءاً بسيطاً مما تقوم به أمريكا سنوياً في هذا المجال.
إن النجاح في إقامة مثل هذه المؤتمرات سواء كانت طبية أو علمية أو أي من التخصصات الاخرى في شتى المجالات يعد ظاهرة حضارية تتسابق الدول عليها.
وعندما ننظر إلى الدول العربية فاننا نجد بعض المدن مثل دبي قد نجحت في اجتذاب مئات الآلاف من الزائرين سنوياً لحضور مؤتمرات في شتى مجالات الحياة وبذلك أصبحت عاصمة التزود والتحصيل العلمي في المنطقة العربية، فلا يكاد يمر يوم في دبي إلاَّ وفيه مؤتمر علمي أو اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي... إلخ.
ان النجاح في اجتذاب عقول العالم لحضور مؤتمرات في بلد دون آخر هو وسام يوضع في صدر هذا البلد وهو نتاج منظومة متكاملة عملت على تسهيل وتذليل كل عقبات أمام الزائرين والقائمين على هذه المؤتمرات.
والمؤسف والمؤلم حقاً هو أن مثل هذه المؤتمرات من الممكن أن تقام في بلادنا العربية فالمحاضرون متوفرون وعلى استعداد للسفر إلى أي بلد يحترمهم ويسهل لهم إجراءات دخول البلاد والإقامة فيها فترة المؤتمرات وهذا ما يحدث في دبي، أما الدول التي تضع العراقيل الروتينية لكل من يريد الحصول على تأشيرة دخول لزيارتها، ويعامل فيها الزائر من قبِل بعض السفارات كمتطفل أو محتاج، ويتذوق الذل والهوان من أجل الحصول على تأشيرة الدخول. ان هذه الدول لن تجتذب عقول العلماء والباحثين والمفكرين فهم ليسوا بحاجة لهذه الدول، بل ان الدول هي التي بحاجتهم.
وستمر الأيام والقافلة تسير لتستيقظ بعض هذه الدول يوماً لتجد أن القافلة قد مرَّت من أمامهم منذ زمن طويل وهي على قارعة الطريق تتحسر على حالها.
فاكس: 6509659
Okazreaders@imc.med.sa