تكاثرت، في الآونة الأخيرة، مؤتمرات وندوات ما يسمى بـ«الحوار»، بين الحضارات، وبخاصة بين العالمين العربي من جهة، والغربي من الجهة الأخرى. وتصاعدت وتيرة انعقاد هذه المنتديات –بشكل ملفت– بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م. ولاشك أن النقاش والتحاور، ومن ثم التفاهم بين الأمم والشعوب، هي مسألة ايجابية... يقدرها العقلاء، لأنها تسهم في استتباب الأمن والسلم الدوليين، وتقي البشرية ويلات الخلافات والصراعات، والحروب.
وبقدر ما لهذه المنتديات من ايجابيات (ولو رمزية) وما يمكن أن يكون لها من تأثيرات بالغة الأهمية والفائدة والحيوية، ومع كل التقدير والاحترام لأغلب الندوات والمؤتمرات التي عقدت، بغرض تحقيق تفاهم (ومن ثم تعاون) أكبر وأفضل بين الحضارتين العربية والغربية، فان هناك، ولاشك، «ملاحظات» عديدة على هذه المؤتمرات، وما تمخض عنها من «بيانات» (نتائج )... معظمها كان «كلاما في كلام». فإن كان لمجرد عقد هذه الندوات ايجابيات مقدرة... ابسطها : كسر الحواجز، والتعارف بين بعض المعنيين، فإن السلبيات التي كثيرا ما تنتج عن هذه الندوات، تكاد –في بعض الحالات، على الأقل– تلغي كل ايجابيات عقدها.
* * *
ولعل أول -وأهم – ما يلاحظ على أكثر هذه الندوات هو : عدم دقة مواضيعها، وغموض أطرافها وأهدافها، وعمومية نتائجها، وضعف (أو انعدام) آليات تفعيل توصياتها. وبمعنى آخر، ضعف المنهجية الأكاديمية التي تسير عليها هذه المؤتمرات... ليكون لها التأثير المطلوب، والذي يجب أن يتجاوز التعارف، وتبادل الآراء.
إن ابرز ما دفع لانعقاد هذه الندوات (الحوارية) هو : إعادة اكتشاف وجود اختلاف (طبيعي) بين الحضارات... بسبب اختلاف طبيعة كل حضارة، عن الأخرى، والخوف من أن يؤدي ذلك الاختلاف بين بعض الحضارات – عندما يحتد ويتفاقم – إلى صراع بينها... يقود إلى: اشتعال الحروب، وانتشار الدمار، في كل أو بعض أرجاء هذا العالم، وهو ما يشار إليه بـ «صراع

الحوار.. عملية مكاشفة تهدف لتصفية الخلافات
وتوسيع مساحة التعاون ضماناً لاستتباب السلام

الحضارات». علما بأن «الصراع» –بدرجاته– سيحصل حتما بمجرد توافر شروطه وأسبابه، وأهمها : الاختلافات الجوهرية المناقضة للآخر.
وإذا سلمنا بأن كل حضارة «تختلف» –بالضرورة– عن الأخرى، وأن ذلك أمر طبيعي، وأن من صالح البشر أن «لا يفسد هذا الاختلاف للود بين الحضارات قضية»، وأن بالإمكان الحيلولة دون تسبب هذا الاختلاف (وما قد ينتج عنه من خلاف) في نشوب صراعات، بل تسخيره –أي هذا الاختلاف– لتوثيق عرى التعاون بين الحضارات، إذا سلمنا بذلك، فان أول متطلبات تحقق هذه الرؤية هو: اللقاء والحوار (التفاهم) بين ممثلي الحضارات... ومن ثم اتخاذ الوسائل الممكنة التي تزيل المظالم، و تحول دون نشوب الصراع... ليحل محله التفاهم والتعايش، بين الحضارات المعنية.
وعندما لا يقوم «الحوار» بهذه الوظيفة، فلا فائدة منه... إذ تصبح ندواته عبارة عن : سفسطة كلامية... أو مناسبات اجتماعية، يلتقي فيها بعض المعنيين، ليتبادلوا بعض الآراء، بينما يستمر قطار «الاختلاف» في مساره، الذي قاد –أو يقود– إلى الصراع... وكأننا يا حوار «لارحنا، ولا جينا».
* * *
ولكي يكون للحوار دور ايجابي في خدمة البشر، وحماية المجتمع الانساني، لابد أن يلتزم (منهجاً وتنفيذاً) بالنظرية العلمية العامة لهكذا حوارات... والتي تؤكد على ضرورة سيره على «منهجية» واضحة مقدما، و خطوات محددة سلفا. وتبدأ هذه المنهجية بالالتزام بمفهوم «الحوار» – تعريفه – وما يتعلق به من عناصر ملازمة (طبيعته، أهدافه، وسائله، أطرافه، أبعاده، نتائجه... الخ). ويعرف «الحوار» –أي حوار– بأنه: عملية مكاشفة بين طرفين، أو أكثر، تربط بينهما علاقات معينة... بهدف تقليص (أو تصفية) الخلافات، وتوسيع مساحة التفاهم (التعاون) بينهما، لأقصى حد ممكن، ضمانا لاستتباب السلام والوئام بينهما.
و«حوار الحضارات» إذن، هو: عملية مكاشفة بين حضارتين، أو أكثر، تربط بينهما علاقات معينة، بهدف : تقليص (أو تصفية) الخلافات (الصراع) وتوسيع دائرة التفاهم (التعاون) والتعايش بينهما، لأقصى حد ممكن، دعما للسلام والوئام بينهما، وفي العالم.
* * *
ولا تقل أهمية «العناصر» الملازمة للحوار عن أهمية تحديد مفهومه وأهدافه وأطرافه، بدقة. فـ«أطراف» أي حوار يجب أن يحددوا، وتحدد درجة تمثيلهم للجهة –أو الحضارة– التي يدعون تمثيلها. إن الحضارة بأهلها... وأهل كل حضارة عبارة عن: شيع وقبائل وجماعات شتى. لذلك، فان الحوار (الكامل) بين حضارتين، أو اي طرفين، لابد أن تشارك فيه كل الفئات الفاعلة، في كل حضارة... لا أن تحتكره فئة، أو فئات، معينة، دون سواها، حتى لا يصبح ناقصا ومشوهاً.
أما «أهداف» الحوار العامة، فلا تخرج –كما ألمحنا– عن: محاولة تقليص درجة الاختلاف والخلاف (الصراع )، وتعظيم درجات التفاهم (التعاون) بين المعنيين. ولكن الأهداف يجب أن تحدد، بكل دقة... في هذا الإطار. كذلك موضوع، أو مواضيع، الحوار، الذي يجب –في كل الأحوال– أن يقوم على: المكاشفة والشفافية والصراحة... وطرح نقاط الخلاف، بموضوعية ووضوح على طاولة النقاش... وخاصة «تظلمات» كل جانب تجاه الآخر... جنبا إلى جنب مع نقاط دعم التعاون، وخدمة المصالح المشتركة، للأطراف المعنية.
وبعد ذلك يحاول المتحاورون التوصية بما يرون أنه يحقق الهدف العام، والخاص، من الحوار. يأتي هذا بعد «تشخيص» العلاقات بين الجانبين، وتحديد وبيان ما يشوبها من خلافات حادة، وما يتوافر لها من فرص تعاون جادة... ثم ياتي دور «الفعل»، فيسعى المعنيون (ما استطاعوا) لضمان تحقق ما يعتقدون انه ضروري وملح، لتقليص مدى الصراع بين المعنيين، وتوثيق عرى التضامن بينهم، وغالبا بما لا يمس أهم «ثوابت» كل حضارة.
ما لم يلتزم اي حوار حضاري بهذه الأسس، ويسير على هداها، فانه سيكون عبارة عن: «حوار طرشان»... لا يقدم كثيرا ولا يؤخر. أقول ذلك من وحي مشاركتي، مؤخرا، في المنتدى الأول للحوار العربي– الأوربي، المنعقد في باريس، والذي سألقي عليه بعض الضوء في المقال القادم، إن شاء الله.