هذا الموضوع المهم هو عنوان البحث الفائز بجائزة المدينة المنورة لهذا العام في البحث العلمي – فرع العلوم الشرعية- والتي فاز بها الشيخ عبد العزيز بن أحمد اللافي الغامدي. ومع أن هذا البحث لم يطبع وينشر بعد كي أطلع عليه أو أتحدث عنه بالتحديد إلا أن الموضوع أثار في نفسي بعض الخواطر خلال حضوري حفل الجائزة مساء الأربعاء الماضي.
وقبل أن أتحدث عن سماحة الإسلام مع غير المسلمين تجدر بي الإشارة إلى الشعور الذي يغمر الإنسان عند زيارة مسجد الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، ومثل ذلك – طبعا- عند زيارة المسجد الحرام بمكة المكرمة، وهو الشعور بسماحة الإسلام التي تظهر في أجلى صورها في هذين المكانين العظيمين. كنت أنظر، في كل مرة أدخل فيها إلى المسجد النبوي الشريف خلال الزيارة الأخيرة، إلى المصلين الذين أتوا من مختلف بقاع الأرض، بأشكالهم وجنسياتهم ولغاتهم ولهجاتهم وملابسهم وطوائفهم المختلفة ليقفوا متلاصقين و متساوين أمام الخالق الواحد ،يدعونه طالبين المغفرة والقبول والعتق من النار. وفي ساحة المسجد النبوي تتجه جموع الرجال يمنة وجموع النساء يسرة كلٌ إلى القسم المخصص له في المسجد ليشكلا فريقين منفصلين ولكن متعادلين تماما في وقوفهما أمام السميع العليم. هذا التجمع العجيب الذي يهيؤه الإسلام في أطهر الأماكن يفرض على المسلمين التسامح في تعاملهم مع بعضهم البعض والتعايش السلمي ونبذ الخلافات مهما كانت. وهو ينافي بكل وضوح

حري بالمسلمين أن يعودوا إلى التسامح ويتجنبوا الصراعات التي تزيدهم ضعفاً

أي تناحر طائفي نراه يتأجج في بلاد إسلامية أو بين الدول الإسلامية بعضها البعض.
ليس غريبا أن يمتد هذا التسامح الذي بناه الإسلام في صدور المسلمين ليشمل تسامحا مع ديانات أخرى عاش أتباعها بين المسلمين في مختلف العصور ونعموا بالحرية والأمن في ممارسة معتقداتهم، بل تحقق للمبدعين منهم مكانة كبيرة في المجتمع الإسلامي، حتى عُدّوا جزءا منه.
لا يسع المقام لتعداد أسماء الكثير من الفلاسفة والعلماء المسيحيين واليهود وغيرهم ممن عاشوا في أرجاء العالم الإسلامي ونبغوا في فروع معينة من العلم حتى تحققت لهم شهرة عالمية في مجال نبوغهم. وسأكتفي بذكر مثال واحد على ذلك هو الفيلسوف والطبيب موسى بن ميمون القرطبي. أما سبب اختياري لهذا الفيلسوف الذي عاش بين عامي 1135م و1204م فله قصة. كنت منذ سنوات طويلة أثناء الدراسة بجامعة تكساس أتنقل لحضور المحاضرات والندوات بين المباني الكثيرة بالمركز الطبي في مدينة هيوستون الذي يشمل عدة كليات صحية تتبع لتلك الجامعة بالإضافة إلى كلية الطب بجامعة بايلور. ومن ضمن المباني بهذا المركز مبنى صغير كتب عليه «المستشفى اليهودي» لم يكن يعنيني، ولكن كنت أمر عبر ردهته أحيانا للوصول إلى مبان أخرى. لفت انتباهي في إحدى المرات لوحة الإعلانات بالقرب من مدخل المبنى حيث علقت صورة لعالم يلبس الزي الإسلامي بعمامته المميزة. استغربت ماذا تفعل تلك الصورة هناك. قرأت تحتها اسم العالم موسى بن ميمون. دفعني الفضول إلى أن أقرأ عن ذلك الفيلسوف والطبيب اليهودي القديم الذي كان يلبس الزي الإسلامي. الواقع أن هذا الفيلسوف، وغيره كثير من الفلاسفة والعلماء غير المسلمين، كان نتاج الحضارة الإسلامية، بل اعتبره بعض الكتاب المسلمين فيلسوفا اسلاميا. فهو قد ولد في قرطبة وتنقل بين فاس وعكا والقاهرة التي توفي بها. وقد درس الطب والفلسفة، و تلقى العلم على يد علماء مسلمين مثل ابن الأفلح ثم، على الأخص، ابن رشد الذي عكف على دراسة مؤلفاته طيلة ثلاث عشرة سنة. وقد عمل طبيبا لبلاط الوزير الفاضل أو السلطان صلاح الدين الأيوبي وولده الملك الأفضل علي، ومع ذلك كان، في نفس الوقت، نقيبا للطائفة اليهودية في مصر. وقد بني معبد باسمه في العباسية بالقاهرة. ومن أهم مؤلفات موسى بن ميمون «دلالة الحائرين» و«مفاهيم المنطق» و«كتاب السراج» و«اختصار الكتب الستة عشر لجالينوس» وكتاب «البواسير وعلاجها»، وقد ألفت هذه الكتب باللغة العربية ثم ترجمت إلى العبرية واللاتينية وغيرها. وقد قام الافرنج في ذلك الوقت بحرق كتبه وكفروها ومنعوها من التداول لاعتمادها العقل والعلم.
لا شك أن الحضارة الإسلامية في أوج عظمتها كانت في غاية التسامح مع أبناء الأديان الأخرى الذين عاشوا في بلاد المسلمين. وحري بالمسلمين الآن أن يعودوا إلى هذا التسامح ليس فقط مع الأديان الأخرى ولكن، بالدرجة الأولى، مع بعضهم البعض، كوسيلة ضرورية لتجنب الصراعات والتناحرات التي لا تجدي شيئا ولا ينتج عنها إلا المزيد من الضعف والتخلف.