يتذكر الفلسطينيون والعرب جميعاً اليوم ذكرى إجلائهم من أراضيهم في الخامس عشر من مايو (آيار) عام 1948م. فقد حدثت في تلك الأيام أكبر عملية تطهير عرقي في تاريخ المشرق العربي المعاصر، بطرد سبعمائة وخمسين ألف إنسان من قراهم وبيوتهم وزراعاتهم إلى الصحارى وأطراف المدن البعيدة في العديد من الدول العربية، وأجليت قرابة 531 قرية ومدينة عربية من سكانها ليحل محلها يهود مهجرون من أوروبا ومن أصقاع الأرض المختلفة، مدججين يومها بكل الأسلحة، وحتى بالطائرات، كي يفرضوا وجودهم على أرض عربية مسلمة، لم تعرف منذ فجر التاريخ إلا العرب والمسلمين أصحاباً لها. وهدمت بيوت ومساجد وكنائس متعددة في مدن فلسطين لكي يحتلها أناس مغتربون نقلوا عنوة على ظهور السفن إلى ما يُسمى بالأرض الموعودة.
وقد تكالبت الدول الكبرى والإعلام العالمي، وحتى صنّاع الأفلام السينمائية ليضفوا شرعية مزيفة على هؤلاء المهاجرين المغتصبين. ونجح اليهود المتنفذون في دوائر المال العالمية ليؤمنوا للدولة الإسرائيلية الوليدة كل ما تحتاج إليه من موارد مالية. كما لعب العلماء اليهود في بلدان عديدة على نقل التقنية النووية إلى الدولة الجديدة لتصبح وخلال أقل من عقدين من عمرها دولة نووية.
وبينما كان العرب والمسلمون يحلمون بأن تقوم المنظمات الدولية والقانون الدولي بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فإن أعداءهم كانوا يصنعون من الحقائق على الأرض قانوناً جديداً يفرضونه على أعدائهم. ولم يكن

تكالبت الدول الكبرى والإعلام وصنّاع الأفلام ليضفوا شرعية مزيفة على المغتصبين

تعداد اليهود الذين يقطنون إسرائيل في بداية الأربعينات ليصل لأكثر من 56 ألف نسمة، ولكنهم خلال بضع سنوات، وخلال حملات التهجير المستمرة في البداية من غرب أوروبا، ثم من شرقها، نجحوا في زيادة أعداد اليهود المهاجرين إلى فلسطين إلى حدود 605 آلاف شخص عام 1948م.
ولقد بنيت إسرائيل منذ نشأتها وإلى يومنا الحاضر على العنف، ولا تأخذ الأخلاق أو القانون دوراً هاماً في اتخاذ القرارات السياسية لزعمائها، أو حتى لأجهزتها القانونية. فالعنف يتجسد في المذابح التي يتعرض لها الفلسطينيون منذ عام 1948م وحتى يومنا الحاضر، ويبدو أن العالم قد ألف فعلاً هذا العنف الإسرائيلي، وربما باركه. ولا تستطيع هذه الكلمات القليلة أن تصف معاناة الشعب الفلسطيني، سواءً داخل أراضي 1948م، أو داخل الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ ذلك التاريخ. ومع أني لست من أبناء الشعب الفلسطيني، إلا أن كل مسلم أو عربي، أو أي إنسان يحق له أن يتعاطف مع هذا الشعب المسحوق ولقد أثبتت حتى محاكم الكيان الإسرائيلي أنها عنصرية حتى النخاع، فحين نظرت المحكمة الإسرائيلية العليا في الأسبوع الماضي في طلبات بعض الفلسطينيين الذين ولدوا في أراضي 1948 في جلب زوجاتهم اللاتي اقترنوا بهن وهن يعشن في الضفة الغربية، رفض هؤلاء القضاة «العُدل» أن يسمحوا ببضع عشرات من الفلسطينيات أن يلتحقن بأزواجهن في المدن الفلسطينية الداخلية.
رب من قائل بأن منع ما يُسمى بـ«لم الشمل»، والذي يعتبر قاعدة قانونية تحكم أنظمة الهجرة وقوانينها في معظم أنحاء العالم، بأنها تجعل فلسطينيي 1948م من صنف المواطن ذي الدرجة الثانية. وأن المتجنس الإسرائيلي الذي وفد للأراضي واغتصبها هو المواطن ذو الدرجة الأولى. ولكن الأمر أعمق وأكبر من مسألة طبقات أو درجات في الجنسية، بل يتعداه إلى خوف المحتل، من أن يتكاثر أهل الأرض الأصلية ليصبحوا أغلبية مرة أخرى. لذلك فهم يضيقون عليهم، ويحرمونهم من لم شمل أسرهم كي يشجعوهم على الهجرة والجلاء من أرض فلسطين إلى بلدان بعيدة، كي يخلو لهم مزيد من الأرض التي طالما اغتصبوا أجزاء منها كلما سنحت لهم فرصة، عن طريق القوانين التي يضعونها تارة، أو عن طريق القوة الغاشمة.
أصحاب الحق لا ينتهون ولن ينتهوا، طالما أن الشعب الفلسطيني يتحدى الجوع والعطش والحرمان من المياه والأدوية والغذاء. فالشعب الفلسطيني شعب خالد يفرض وجوده على النظام السياسي العالمي. وهو يرفض سياسات التهميش والتجويع والإجلاء، وهو متمسك بأرضه حتى يموت عليها.
ودعمنا للفلسطينيين في العالم العربي ليس دعماً عاطفياً فقط، فالفلسطينيون خط الدفاع الأول، أمام القوى المستعمرة التي تريد إعادتنا إلى القرون الوسطى، واحتلال أراضينا، وسلب إرادتنا، ولكن إرادة الشعوب العربية والشعب الفلسطيني ستكون بعون الله إرادة إنسانية خيّرة تقود الإنسانية، بما في ذلك يهود فلسطين إلى نظام سياسي يقوم على العدل والمساواة.