أيام ومشاهد «جداوية».. آراء في الحوار الوطني
المحور الرئيسي للنقاش في الأمسية (الخاصة) الأولى التي استضافها الأستاذ عبد المقصود خوجة في منزله تركزت على تقييم مسيرة مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، ومع أن التقويمات كانت متباينة حول مدى عمق التأثير الذي أحدثته اللقاءات التي نظمها المركز على الصعيد الاجتماعي – الوطني العام وخصوصا لجهة عدم تفعيل التوصيات التي خرجت بها وإظهارها إلى النور من خلال برامج وخطط عملية تطال كافة القضايا الجوهرية والحيوية الملحة التي تضمنتها، غير أن الاتجاه العام كان متفقا على أهمية فكرة وجود المركز واستمراره واعتباره خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، وتثمين مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي بفضل عزيمته وإرادته الخيرة رأى النور وخطا العتبة (الصعبة) الأولى فالمثل الصيني القديم يقول «أوقد شمعة بدلا من أن تلعن الظلام». غير أن هناك العديد من الملاحظات جرى طرحها وتداولها ومنها أن اجتماعات مركز الحوار لا تزال تراوح مكانها وان هناك خشية من تحوله إلى هدف بحد ذاته وليس كما هو مستهدف ومرجو منه أن يكون أداة وإطاراً مناسباً لتفاعل الأسئلة و الأفكار والرؤى للوصول إلى المشتركات الوطنية الأساسية إزاء القضايا الرئيسية المطروحة ،ومن ثم وضع أجندة لتنفيذ التوصيات المقترحة والمتفق عليها وتجسيدها على أرض الواقع، مع ضمان مشاركة الجميع في ذلك وقبل كل شيء الأجهزة الحكومية (المجتمع السياسي) والتشكيلات الأهلية (المجتمع التقليدي) والفئات الحديثة (المجتمع المدني) و على اختلاف منحدراتها المناطقية والقبلية والمذهبية وتعدد مشاربها الثقافية والفكرية والسياسية، وهو ما يفرضه الواقع الموضوعي ومتطلبات الإصلاح الشامل في كافة المجالات (والذي يتبناه الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله) في بلادنا ،والذي يصب في اتجاه ترسيخ دعائم الوحدة الوطنية وتصليب الجبهة الداخلية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا أي مواطنة يحتاجها مجتمعنا؟ البعض يقف عند حدود المواطنة الشكلية ذات البعد الواحد أو المرتبط بشعور من العاطفة والوجدان العام من خلال الإحالة إلى الجغرافيا (المكان) والتاريخ (الزمان) والدين واللغة والتي تتعايش مع روابط وانتماءات (فرعية) راسخة وقوية الحضور، غير أن متطلبات الحياة والواقع والمصير والمستقبل تتطلب تشكيل مواطنة مركبة نشطة وفعالة قوامها المساواة في الحقوق والواجبات بين الجميع وتستند إلى رئوية ومشروع وطني حضاري وأنساني شامل.المأثرة التاريخية الاستثنائية للقائد المؤسس الملك عبد العزيز أل سعود تمثلت في إنهاء حالة التشرذم

متطلبات الحياة والمستقبل تتطلب تشكيل مواطنة قوامها المساواة في الحقوق والواجبات

والفرقة والضعف والتخلف والاحتراب التي سادت أصقاع الجزيرة العربية قروناً عديدة وتأسيس أول وحدة عربية (المملكة العربية السعودية) ناجحة في العصر الحديث، لقد تحققت الوحدة السياسية والجغرافية بنجاح منقطع النظير ،غير أن هناك الكثير مما يجب عمله لترسيخ الوحدة الوطنية والمجتمعية، وهذا يستدعي بالضرورة تطوير كافة البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وقبل كل شيء توطيد دولة المواطنة باعتبارها الإطار الجامع لكافة المرجعيات والخطابات والقراءات المتعددة والمتنوعة و احترامها ودعمها للتعايش والتفاعل الحي والخلاق بين كافة مكونات المجتمع وأطيافه وتياراته الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية والمذهبية، خصوصا في ظل الظروف والتحديات الداخلية والخارجية وضمن أوضاع إقليمية ودولية متوترة ومتغيرة وغير مستقرة، أدت إلى إعادة خلط الكثير من الأوراق والى تبدلات واختلالات خطيرة في موازين القوة والسيطرة والهيمنة، وتحديدا في ضوء تبلور الإستراتيجية الكونية الجديدة - القديمة للولايات المتحدة وتطبيقاتها (بعد احداث 11 سبتمبر2001) على النحو الذي تابعنا وشاهدنا بعض فصولها وتجلياتها في أفغانستان والعراق وما ينفذ في أماكن وبلدان أخرى (سوريا، لبنان إيران، فلسطين) في المنطقة.بالطبع نحن نواجه في بلادنا جملة من القضايا والمشاكل المعقدة و الشائكة شكلت حالة موضوعية لها جوانبها ومعطياتها وأبعادها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمذهبية والفكرية والثقافية يجب أخذها بعين الاعتبار إذ لايمكن القفز عليها أو تصور أنها ستتغير بقرارات ونصوص و توصيات (فقط) بغض النظر عن الرغبة الطيبة والإرادة الصادقة (مع أنها مهمة وأساسية) إذ المطلوب أن تترسخ قيم الحوار والمكاشفة والمصارحة والشفافية والقبول بالآخر المختلف في النفوس قبل النصوص، وذلك يحتاج إلى جهود متعددة الأطراف تقوم به الجهات الرسمية من جهة وكذلك بين كافة مكونات المجتمع على اختلاف اتجاهاتهم الثقافية والفكرية أو منحدراتهم الاجتماعية والمناطقية والمذهبية من جهة أخرى، مما يتطلب إفساح المجال لخلق اطر موازية تتكامل مع ما هو موجود (بما في ذلك مركز الحوار الوطني) وذلك من خلال دعم إقامة جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن المجتمع السياسي (الدولة) وفي هذا الإطار تحققت خطوة مهمة في هذا الاتجاه من خلال مشروع «نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية» المعروض أمام مجلس الشورى لمناقشته واعتماده تمهيداً لإقراره لاحقا ،وهذا يمثل خطوة مهمة على صعيد تنظيم وتشريع إقامة مؤسسات «المجتمع المدني» باعتباره مفهوما أوسع واشمل وهو مرتبط أساسا بمستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي لأي مجتمع، وقبل كل شيء بنشوء وتبلور الطبقات و الفئات المدنية (الحديثة) وخصوصا الفئات الوسطى التي تمثل حجر الزاوية وعماد الاستقرار في المجتمعات المعاصرة، والتحديد هنا مهم لان ثمة مؤسسات واطر تخص وتنتمي إلى الفضاء الأهلي (التقليدي) نذكر منها التشكيلات والمجالس والصناديق المرتبطة بالقبيلة والعشيرة والعائلة والطائفة والطريقة، إضافة إلى التعاضديات والهيئات القائمة بالفعل مثل الجمعيات الخيرية والأوقاف وجمعيات تحفيظ القرآن والهيئات الدعوية والدينية المختلفة، وفي هذا الإطار أرى أن المشروع المقترح اتسم بالخلط والتعميم وعدم الوضوح فيما يتعلق بالمجالات المدعو إلى معالجتها وتنظيمها، والأمر ينطبق على طبيعة العلاقة مع التشكيلات والمؤسسات القائمة مثل الجمعيات (المتخصصة) العلمية كجمعية المهندسين والمحاسبين القانونين واللجان العمالية والهيئات الأخرى مثل اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وجمعية الصحفيين والجمعيات الخيرية التي تأسست وفقاً لمراسيم ملكية و كذلك المؤسسات المنضوية تحت إطار وزارة الثقافة والأعلام (جمعيات الثقافة والأندية الأدبية). الملاحظة الأخرى المهمة تتعلق بمحدودية استقلال تلك الجمعيات عن المجال السياسي (الدولة) في حين أن أهم صفة لمؤسسات المجتمع المدني كونها منظمات (مستقلة) غير حكومية، وتمثل ذلك في الصلاحيات الشاملة الممنوحة للهيئة (الهيئة الوطنية للجمعيات والمؤسسات الأهلية) المنظمة المقترحة والتي يغلب عليها الطابع والصفة الرسمية، حيث أعطيت للهيئة صلاحية الإشراف والرقابة المالية والإدارية بما يفوق الصلاحيات التي كانت ممنوحة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية من سلطات إشرافية على الجمعيات الأهلية أو ماكان لوزارة التعليم العالي والجامعات من سلطات إشرافية على الجمعيات العلمية... فالمرشحون لعضوية مجالس الجمعيات يتطلب موافقة الهيئة كما يحق للهيئة إلغاء نتيجة الانتخاب والاعتراض على قرارات الجمعية ويعين مجلس إدارة مؤقت للجمعية وحل الجمعية أو إدماجها في جمعية أخرى كما لايجوز للجمعية أن تشترك في أي مؤتمر أو اجتماع خارج المملكة إلا بترخيص مسبق من الهيئة وكذلك لا يجوز لها أن تعمل في أي جمعية أو هيئة مقرها خارج المملكة أو تنتسب إليها أو تشترك معها أو تنضم إليها إلا بعد موافقة الهيئة، وفي ظني أن هذه القيود ستفرغ هذه الجمعيات من مضمونها وتحيلها إلى أطر شبه رسمية وذلك يتناقض مع خطوات الإصلاح التي تتبناها القيادة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز. لذا من الأهمية بمكان إعطاء المزيد من الوقت للمناقشات والحوار حول المشروع المقدم وإشراك كافة الفعاليات المختلفة وخصوصا الأطراف المعنية بذلك .