هوامير.. وغيلان
لا أدري لماذا نطلق لقب «الهوامير» على كبار المضاربين المتلاعبين في سوق المال، الذين تسببوا في إشقاء الغالبية العظمى من الشعب السعودي في فترة لا تزيد عن شهرين.
نحن بذلك نظلم سمك الهامور، وهو سمك وديع مسالم لطيف المعشر، جميل المظهر، ولذيذ الطعم على موائد الطعام. أي أنه سمك مفيد للإنسان ويجلب له السعادة.
أما كبار المضاربين في سوق الأسهم لدينا فهم بعيدون تماماً عن هذه الصفات الحميدة، ولايفيدون إلا أنفسهم، ولا يجلبون إلا الشقاء للآخرين، طعمهم مر ولحمهم فاسد. لذلك فمن الأحرى أن نطلق على هؤلاء لقب «الغيلان» (جمع غول) بدلاً من الهوامير. هؤلاء الغيلان هم مثل الأشباح، لا تراهم ولاتعرفهم، وإنما تسمع عنهم وتعاني من شر أعمالهم، يملأ قلوبهم الجشع ولا يملأ أعينهم سوى التراب.
وفي سبيل مصلحته الخاصة وأطماعه الشخصية، يضحي الغول بكل الآخرين حتى لو كانوا من أهله وإخوانه ومن ربعه وأصحابه. فهؤلاء الغيلان لا يعترفون بضمير أو إحساس ويهزأون من كلمة عاطفة، ولا يرون أمامهم سوى لون النقود، ولايشمون إلا رائحتها، ولا يحترمون إلا من يكدسها.
أما قبلة الغيلان وملجأهم، وقدوتهم ورائدهم، فهو البنك، القادر المقتدر، الذي لا يخسر ولا يتأثر ولا ينام. البنك الذي يبيع منتجه (صناديق الاستثمار) لعملائه ويتقاضى منهم عمولة تصل إلى أكثر من ثلاثة بالمائة من إجمالي قيمة الشراء، ثم عند وقوع الكارثة يعود فيسترد (غصباً وعنوة) من عملائه هذا المنتج (صندوق الاستثمار) بأبخس الأسعار،

لماذا نطلق لقب الهوامير على كبار المضاربين.. الأحرى أن نسميهم الغيلان

فيربح صعوداً ويزداد ربحاً هبوطاً.
ثمة قائل أن المواطن المستثمر يتحمل نتائج مسؤولية قراره، وهذا صحيح. ولكن لا يجب على المواطن المستثمر أن يتحمل نتائج تلاعب غيلان السوق. هنا تظهر مهمة هيئة سوق المال، خاصةً وأن نظام هيئة سوق المال ينص على أن أحد مهامها هو «حماية المواطنين والمستثمرين في الأوراق المالية من الممارسات غير العادلة، أو غير السليمة، أو التي تنطوي على احتيال، أو غش، أو تدليس، أو تلاعب».
وكان من الممكن التغلب على تلاعب غيلان السوق بإنشاء صندوق التوازن أو صندوق صانع السوق الذي أوصى به مجلس الشورى كما نشر في الصحف المحلية واستبشر به المواطنون. وكان في إمكان ذلك الصندوق أن يسحب البساط من تحت أقدام المتلاعبين من غيلان السوق ويستعيد ثقة المواطنين في سوقهم المالي وبالتالي يستعيد السوق صحته.
ولكن ويا فرحة ما تمت، فلم يتم إنشاء ذلك الصندوق، ولا نعلم كيف ولماذا قتلت هذه الفكرة في مهدها مما تسبب في نتائج عكسية سيئة على صغار المستثمرين. وضاع الصندوق، وإن بقي مفتاحه في جيب مسؤول مالي.
وثمة قائل إن المواطن «يستاهل» مايحدث له الآن نتيجة اندفاعه في الاستثمار في سوق المال!! إذاً ماهي فرص الاستثمار الأخرى المتاحة أمام المواطن التي كان في إمكانه الاستثمار فيها؟ وهل يلام المواطن إذا ماحاول الإستفادة من فرصة استثمارية وجدها أمامه لتحسين وضعه المعيشي أو لكسب بعض المال؟ أليست هذه طبيعة كل البشر؟
وهكذا نستمع في المجالس إلى شامتين، وإلى متنطعين، وإلى منظرين.. وإلى.. وإلى.. مما يصيبنا بالفزع والدوار، وانتفاخ الشرايين وتضخم المرارة.
لايمكن لعاقل أن يصدق أن مايحدث في سوق المال هو أمر طبيعي في كل الظروف الاقتصادية المزدهرة التي يمر بها اقتصاد الدولة منذ أكثر من عامين.
لاتحتاج لأن تكون عبقرياً في علم الاقتصاد لتعرف أن جميع المؤشرات تدل على إزدهار اقتصادي هائل لم تشهده المملكة من قبل. إذاً لايمكن أن يكون تراجع سوق المال هكذا بصورة فجائية وخلال فترة قصيرة جداً أمر طبيعي، ولا نصدق حرفاً مما يصرح به بعض المسؤولين الاقتصاديين من تأويلات وأن هذا هو أمر طبيعي، أو «تصحيحي» !!.
هذه الكارثة المالية التي يواجهها الشعب السعودي بأكمله، والتي أثرت على مستوى المعيشة في المجتمع السعودي، لم تبدأ آثارها ونتائجها الاجتماعية في التبلور بعد، ولكن ستظهر عواقبها الاجتماعية المؤلمة والمحزنة قريباً إن لم توجد لها الحلول السليمة العاجلة.
لكن السؤال الذي لا بد من الإجابة عليه لكي لا تتكرر المأساة هو، من المسؤول عما حدث، وأين أوجه التقصير في ذلك؟ هل هم الغيلان، أم هي الإدارة الاقتصادية في بلادنا، أم هو قلة وعي المستثمر، أم هو تراكم ظروف غير طبيعية؟ لماذا لا تستعين هيئة سوق المال بخبراء متمرسين في أمور الأسواق المالية حتى وإن كانوا من خارج العالم العربي، ليدرسوا ما حدث وليضعوا العلاج المناسب؟
ولكن في جميع الأحوال، سيضحك الشعب السعودي كثيراً في النهاية، أليس.. «شر البلية مايضحك»؟؟