الريح و البلاط
عمّك «إدريس».. وحروب «إبليس»!
يحيى باجنيد
هذا كلام لا (يودِّي) ولا (يجيب).. ولا يضر ولا ينفع.. تحمله الريح لجهات الدنيا الأربع.. يرتطم بآذان الحيطان ويرجع..! انه كلام في الريح.. فماذا تأخذ الريح من البلاط؟!
- صفا..
- انتباه..
- للأمااااام.. سر..!
«تيري رم.. تيري رم.. تيريرم.. تيريرم»..
كانت فرقة «المزيكا» تنحدر من «القشلة» الشاخصة فوق التلة، المطلَّة على «باب جديد».. تمضي قُدماً باتجاه «البرحة» الممتدة بينها وبين «بحر الأربعين»..
وكان عم ادريس «متحوفزاً»، بجانب الشاطئ الأيسر المحاذي للمركز، على جدار يوشك أن ينقض بفعل السبخة، فقد أحاله الملح الأجاج إلى هيكل أبيض، جعل كراعين «ادريس» واضحة جلية، تشكل الرقم (8) بالعربية حينما تتأرجح.. حتى إذا ما رفع احداهما وترك الأخرى تحوَّل الشكل الى رقم (4) بالانجليزية، فينخفض العدد الى النصف،
وهي اشارة - من طرف خفي- على أن كلام (العاقل) ينقص (النص)!
........
كانت الشمس من وراء ظهره تمدُّ ظلاً يتطاول ليربط البحر باليابسة.. ظلاً بلا لون.. ولا تضاريس.. ولا حقيقة..
يرسم خارطة (سريالية) لعالم جديد قد يجيء به نهار آخر، يثبت ان هناك -دائما- جديدا تحت الشمس!
كان عم (ادريس) قد خرج لتوه من (المرستان) اثر وعكة (صحية) عولج منها طوال (تسعة أشهر)، أقام بعدها عامين كاملين من باب التفحيص والتمحيص..
حرصا على صحته (عامة) وقواه العقلية (خاصة)..
والواقع انه قد شتم (بصّاص البلدية)..
واتهمه (بالرشوة) فأراد ان ينجيه (حكيم الصحية) من عقوبة (الحبس) فكتب في (التقرير الطبي) ان عقل المذكور (دخَلْنا.. نَدرْنا)!
قبَّح الله (حكيم الصحية) الذي أراد بالتزوير ان ينجيه من السجن فأدخله (المرستان).. فرأى على أيدي زملائه من (النزلاء) عجباً..!
........
هش نزلاء (المرستان) وبشوا بمقدم (ادريس) الميمون.. واحاطوه بعناية خاصة.. فقد أخبرهم أنَّه (عاقل) فقرروا أن (يُخلِّصوا) منه (تارهم البايت) عند العقلاء في الخارج..!
وفي واقعة ذات صلة قضى (ادريس) بين زميلين في العنبر.. فرأى أن الحق لـ (خلف) فما كان من (عليته) الا أن أوسعه عضاً وركلاً.. وحينما رأى المقضي له ان (عليته) يستأثر بضرب (ادريس) وينفرد بهذا الشرف العظيم، دفع صاحبه جانباً، وتولى هو اتمام المهمة على الوجه الأكمل..!
........
ما عاد (ادريس) يُظهر الحكمة والعقل
التي ورثها عن اسلافه، الذين (روَّجوا) للشجاعة فذهبوا عن آخرهم.. وها هو يأخذ نصيبه من ارث (رجاحة) العقل كاملاً غير منقوص..!
كان - فيما مضى- يحاذي فرقة المزيكا ببذلته المزركشة التي ألفها له الخياط من قصاقيص القماش، وقد ثبت على سترتها أغطية المياه الغازية، وبعض أصداف البحر التي تقذف بها الأمواج على الرمال..
لقد شغف -أيما شغف- بالخطوات الايقاعية لحامل سارية فرقة (المزيكا)، وكان يحاكيه قاذفاً بـ (الباسطون) الى أعلى ليسقط في الأرض، أو على رأسه في معظم الأحيان..!
وكان اعضاء الفرقة يأنسون بـ (ادريس)، فهو مصدر بهجة للبرحة كلها..
ما عاد (ادريس) يحاذي (المارش).. كان ينظر اليه من بعيد لبعيد.. وعزف عن سماع العزف.. وما عاد يرتدي بذلته (الأبهة)..
وخلع الطربوش.. ظل مرتدياً الفلينة
(ابو عسكري) التي اتسع حلقها بعد حفل التعارف بينه وبين زملائه في (المرستان)..!
........
صباح (السبت) السادس من شهر (شوال) بدأ دوام الموظفين بعد
الاجازة.. وزف الصِّبية (ادريس) الى
مكتب (العمدة) ليتأكد من قواه العقلية، ومن انه قد أصبح إنساناً طيباً وعلى خلق:
- اليوم ايه يا (ادريس)؟!
- خميس..
- ونحنا في شهر إيه؟!
- رجب..!
- اسمك ايه؟!
- شعبان..!
قال العمدة بعد ان ربت على كتف المذكور: عفارم عليك يا (خميس)..
بكرة تعال وجيب معاك (جمعة) عشان يوقع التعهُّد..!
........
لم يتمكن (ادريس) من احضار (جمعة)
لانه (لأنها) اجازة.. أما هو فقد اعتذر
عن الحضور بسبب رداءة الأحوال الجوية.. وانعدام
الرؤية الافقية..!
........
عاد (ادريس) لمستشفى الصحة النفسية في زيارة قيل له انها تفقدية..
وكان محل حفاوة (النزلاء) الذين سبق أن أمضى معهم وقتاً طيباً، وقاموا معه بالواجب.. غير أنَّه لم يتمكن -هذه المرة- من أن يعهد لأي من الأولاد بمراقبة البحر..!