لحن و نوتة
لم يطق الابتعاد عن الشحر
نار بيروت تحرق المحضار
نضال قحطان (جدة)
بيروت الساحرة بيت الثقافة والفن والمال، بوابة النجومية لأي طموح يمتلك الموهبة، فيتكئ على ماهو متاح في بيروت، ولا يوجد في غيرها، تلك الافكار كانت تجول في ذهن ابوبكر سالم بلفقيه، الذي لاحت نجوميته، وشرعت ابواب الشهرة امامه..
أراد بلفقيه ان يزيد من زخم هذا النجاح، حين تعرف على حسين المحضار الشاعر والملحن، وقرر ان يكون معه اثناء تسجيل مجموعة من الأعمال التي تجمعهما في العاصمة اللبنانية، ليتعرف على أجواء العمل وآليات مرور الاغنية لتصل في صيغتها الجديدة، كانت هذه الزيارة بمثابة حالة من الإبهار للمحضار، تلك الحياة التي يشاهدها للمرة الأولى والتي يقول عنها بلفقيه:
كانت لنا بالفعل رحلات فنية أنتجت بوجوده معي العديد من أغانيه التي سجلتها ومنها «وين صندوق الكتب والطوابع» إضافة الى ثلاث أغنيات معها في إحدى رحلاتنا، وتلك الأغنيات الأربع صاغهن على سحر جمال لبنان كمصدر الهام شعري وواقعي وما شاهده وما ذاقه من روعة وحسن في الإنسان وفي الشارع وفي الجبل وفي التفاح اللبناني وفي كل بقعة هناك، ولكنه كان يطغى عليه جمال الأرض أي (سعاد .. الشحر) تلك الأرض التي تربينا فيها ... وتجد هذا واضحاً في أنفاسه الشعرية حيث يرتبط بتربته وبأهله وعاداته في أمثاله وتعابيره وتشبيهاته الغنائية، فحين يصف أهله تجده يقول (ووجوههم مسفره ما دخلها غلس) لن تجد مثل هذا الوصف عند غيره وعندما يصف بلده يقول(أيش لبنان وأيش العاصمة بيروت)، المحضار يبحر في مخاض مجتمعه كله وعاداته يقول كلمته ويسكبها حكما ومواجهة ومغازلة من نفس الحياة واحوالها التي عاشها ...
أنا كنت أظن لبنان ستؤثر عليه كثيرا، هي أثرت عليه نوعا ما دون شك لأن كل إنسان يتأثر بجمال اي بلد ولكنها لم تؤثر عليه لدرجة ان تسلبه سحره وموهبته الشعرية .. واذكر بيتا قاله المحضار ـ يرحمه الله ـ وكان عندنا (جورج ثابت) يكتب لنا وهو رئيس الفرقة فقال من اجل جورج ولبنان لأن هذا البلد يستحق الغزل ولبنان كلها جميله قال :
(لبنان والحب وأنت .. ذا حلم حققته من أمتى .. ومن بهذا الحب يا جورج أفتى) فكان الحبيب المحضار مبهوراً هناك إلا ان هذا الانبهار لم يقف سداً امام وجدانه كما يحدث عند بعض الناس ليحجب مشاعر الحب الحقيقية لأهله بل كان يخالجه الشوق ويؤلمه الحنين والبعد عن الأهل والوطن وكلما التهبت في وجدانه نار الغربة والبعد حسب تعبيره (نار بعدك)، فولدت هذه الأغنية التي نفذت هناك.
أنطلق الشاعر والملحن حسين المحضار في منتصف الستينات الميلادية ليشكل مع الفنان ابوبكر سالم بلفقيه ثنائيا بعد ان تغنى بكلماته عدد من الفنانين في حضرموت فنقل اللون الحضرمي الأصيل إلى حيز اكبر يتعدى المحلية ليصل إلى الجزيرة العربية بأكملها وتجاوزها لدول عربية أخرى.
ابوبكر سالم شعر ان لهذا الشاعر جمالا وأسلوبا يميزه عن غيره، وطموحا كبيرا لتجاوز كل المراحل، للوصول إلى بر النجاحات الكبرى التي تصل بهذا اللون لما هو أبعد وأشمل ويحقق الأهداف المنشودة .