خريف العمر
تتبدل الوجوه ويبقىمرقده على الرصيف
رجل الأزقة
هاني اللحياني (مكة المكرمة)
يهطل الصبح فتحرك سمفونيته ايقاع الحياة وتعبر الامسيات مخلفة وراءها سكون الشوارع والازقة غير أن ثمة جسداً في «خريف العمر» يتثاءب في تثاقل وينفض بقايا النعاس عن عينيه المتخمة بأحزان الحياة ...
أحزان لايدرك كنهها سوى الرصيف الذي يؤويه يروي اليه قصته ومشواره مع التسكع هذه ليست رواية عن رجل فنتازي تحتضنه الازقة من حركة البشر والسيارات ونبض الحياة وعافيتها ولكنها حكاية لرجل عقد تعاونية صداقة مع الشوارع عرف ملامحها وادمنت الابنية القديمة وحمائم الرواشين مشهده وهو في سويعات الاصيل يبحث عن قطرة ماء تبل ريقه «الناشف» أو لقمة تسد رمقه ولكن سرعان ما يعود الى موقعه على الرصيف وتبدأ رحلة صمته اللامتناهي.
محمد صالح كبير هكذا اسمه من سكان الارصفة في مكة المكرمة حفظ المارة هيئته .. عجوز لا يكلم أحداً ولا يسترعي انتباه المارة اختصر حياته في عدة أمتار واصر أن يعيش في العتمة حتى وان كانت الشوارع في ذروة الاشراق.
لايمتلك شيئاً من حطام الحياة سوى حزام يسند به بطنه من تصاريف الزمن كل الزوايا والاماكن بجوار حلقة الخضار تعرفه ولكن لا أحد يجرؤ أن يفتح معه اسطوانة الحديث في «غبشة» المساء تشاهده وهو يحاول ان يجمع بعض قطع الكرتون لتهيئة مرقده .
ـ تلقي عليه السلام
ـ فجأة يهتز لكأنما نزلت عليه صاعقة
ـ يرد السلام في صوت واهن فيما كانت ملامح وجهه المحروقة بالشمس تستفسر عن سبب وجودي بجواره ومحاولة القاء حجر في بحر حياته ...... لماذا انت هنا؟ قلتها وأنا أحاول أن استدرجه ليبوح بأسراره ويخرج من قوقعة الصمت التي ظل يدفن فيها نفسه حسب افادات المارة واصحاب المحلات بجوار مرقده الدائم.
منذ أن كنت في شرخ الشباب وهذا الموقع يعرفني صدقني لم أغادر هذه الازقة فأنا مثل السمكة اذا خرجت من البحر تموت وهكذا أنا الفت هذه الازقة والاماكن عرفتني وعرفتها أبوح لها بسري وتشاطرني في احزاني خاصة حينما اصاب بمرض او وهن .
اين الأهل والاقربون وربما الاصدقاء؟
في تلك اللحظة تشعر بتنهيدته العميقة تنهيدة نابعة من القلب .
لم يبق منهم احد كلهم رحلوا أو ذابو في زحام الحياة وتركوني وحدي هكذا اصارع الارصفة. أصبحت مثل هذا الرصيف تتبدل الوجوه في حلقة الخضار ويظل مرقدي هنا لا تخطئه العيون كثيرون يعبرون بجواري وربما يقفزون فوق جسدي ولكن لاأحد يهتم... إنها الحياة صراع كبير والبقاء للأقوى .
ـ وكيف تقضي يومك وخاصة في موسم الصيف حينما تصبح حرارة الشمس لاتطاق هل تظل هكذا رفيقاً للرصيف؟
يقول فيما تشتد حرارة الطقس ابحث عن «ظلة» استرخي تحتها حتى يحين المساء أو اتنقل بين السوق الذي في الجوار والمسجد وفي مرات قليلة اسحب اقدامي الى بعض المحلات لكي «اسولف» مع اصحابها فهم يعطفون علي فبعضهم يمدني بالمال والآخرون بالطعام وفي المساء لا أخرج من ازقة السوق القديم رغم ان المكان يعج بالبعوض والذي يسرح ويمرح على جسدي الواهن ... ياولدي الشاة ماتحس السلخ بعد موتها أنا كذا جسمي تعود على هذا الرصيف وقرص البعوض . ولكن صدقني ان الرصيف رغم مافيه من «بلاوي» الا أنه عندما يصمت الليل اتخيله مثل فندق فخم فلا حركة ولا ضجيج حتى يرفع أذان الفجر .
واقوم واتوضأ من برادة المياه القريبة واذهب لاداء الصلاة . بجواري في الرصيف كان هناك الكثيرون مثلي فضلوا ان يعيشوا هكذا على هامش الحياة . بعضهم مات والآخرون غادروا الموقع لا ادري الى أين ذهبوا فمن غادر لم اعد اسمع عنه شيئاً ولازلت انتظر «يومي» وأسأل الله ان يخفف عني وان يختم بالصالحات حياتي.
حياتي «سفر» طويل وضخم بعض أيامها مترعة بالفرح والأخرى بالحزن ولكن من سوء حظي كان الحزن كان هو الغالب ....
تصدق ان اكبر مبلغ استلمته في حياتي كان (3000)ريال كنت اعتبرها تحويشة للعمر كنت في سيارة ذاهب لمشوار ولكن السائق لم يرحم ضعفي وكبر سني فقد انتزع صرة النقود من جيبي ورماني في أحد الازقة اختفى ومن يومها لا امتلك سوى حزني وهذا الحزام الذي تراه احزم به بطني ليس به «فلس» واحد وانما يسند شيخوختي وضعفي حينما ابحث عن قطرة ماء أو لقمة اسد بها غائلة الجوع في زحام الحياة.