أدب ونقد
رصدت ما يدور في بيوت جدة وانتقدت المجتمع الذكوري
زينب حفني: الروائيون الجدد يروّجون للهشاشة
حاورها :عبدالله عبيان
تعرضت الأديبة زينب حفني للعديد من موجات الشد والجذب مع اطراف مجتمع تحولت فيه بعض الأعراف الى ثوابت، ورغم ذلك واصلت مسيرتها في طرح رؤاها بجرأة فائقة من خلال كتاباتها الصحفية واعمالها الأدبية التي كان آخرها رواية «ملامح». الكاتبة الجداوية التي اختارت لندن مكانا لاقامتها رصدت في روايتها الجديدة عددا من الاحداث المثيرة في احياء الروضة والبغدادية والسبيل والكندرة .
غاصت الروائية زينب حفني في عوالم المرأة السعودية و صورتها في جانب من «ملامحها» وكأنها فريسة للرجل، كما انها طرقت ابوابا لم تعتد الخليجيات طرقها من قبل مما اثار جدلا واسعا في الاوساط الثقافية والاجتماعية، وللوقوف على اهم وآخر المحطات في حياتها الأدبية التقيناها في هذا الحوار:
يتجول القارئ في أحياء جدة، ويحاول التقاط صور حية لما يحدث خلف رواشين بيوتها من خلال روايتك الأخيرة «ملامح» فما هي ابرز الصور التي أرادت كاميرا زينب حفني تقديمها للمتلقي في هذا العمل؟
- أردتُ من خلال وصف أحياء جده، أن أنقل القارئ إلى تلك الأجواء، في حقبة زمنية معينة، وأجعله يحس برطوبة جو جدة تُزكم انفه، وينسكب هدير بحرها في أذنيه، يتخيّل أزقتها، بيوتها، أحياءها, ويتعايش مع أبطال روايتي بالاستماع إلى دقات قلوبهم، أنّات أوجاعهم.
لقد بعثت لي إيميل، إحدى القارئات العربيات بعد أن قرأت روايتي، تقول لي فيه.. إنها لم تزر جدة من قبل، لكنها غدت متشوقة لزيارتها حتّى تلامس بعينيها الأماكن التي تحدثتُ عنها في روايتي.
ما زلنا نتخبط
خرجت المرأة إلى العمل، وأصبحت تقاسم الرجل في المسؤوليات التي كانت حكراً عليه وأطلّت بفكرها على نوافذ الاتصال العالمية. فرأت وقارنت وتمثّلت، ولكن الخطاب النصي في أعمالها الأدبية لم يختلف، وما زالت تتكئ على معاناتها المتمثلة في خيانة الرجل وسيطرة المجتمع الذكوري، فهل هذا كل ما لدى المرأة في المملكة؟
- لنكن واضحين وصادقين مع أنفسنا أولا. الغرب حلَّ الكثير من الأمور الجوهرية التي ما زلنا نتخبّط داخل دائرتها في مجتمعاتنا العربية، لذا تجدهم اليوم يعيشون مرحلة الفانتازيا التي تتجسد في الانشغال على الفن من أجل الفن وحده. أمّا نحن، فما زلنا نُرقّع جراحنا، ونبحث عن حلول جذرية لمشاكلنا. كما لم نتحرر بعد من أوجاعنا، وهو ما يدفع الأديب العربي إلى التوقّف عندها طويلا.
ويجب ألا ننسى أن مجتمعنا بطيء في متغيراته الاجتماعية مقارنة بالمجتمعات الأخرى، التي ساهم مناخ الاستعمار والنضال في الإسراع بحركة تحديثها نتيجة لانفتاحها على ثقافات الشعوب الأخرى، الأمر الذي دفع المرأة إلى الخروج مبكرا للحياة العامة، والوقوف مع الرجل جنبا إلى جنب في حركة التحرير.
إضافة إلى ذلك أن مجتمعنا يغلب عليه الطابع الديني المحافظ، الممزوج بأعراف وتقاليد متوارثة، وهو ما ألقى بظلاله على الأديبة السعودية في نصوصها الإبداعية، ودفعها لا شعوريّا إلى العزف على معاناتها داخل مجتمعها الذي هو في الأصل مجتمع ذكوريّ، حيثُ ان الكثير من الأمور المصيرية الخاصة بالمرأة ما زالت في قبضة الرجل.
كذلك المسألة ليست متمثلة في التركيز على خيانة الرجل، ففي كل مجتمعات الدنيا تتوالد الخيانة، لكن الخيانة حين تخرج لسانها للمرأة قائلة لها.. «تحمّلي كل ما يقع عليك كونك المخلوق الأضعف والأدنى»، وتجعل مفتاح القرار في يد الرجل ولو كان مرتكب الخطيئة، هنا تتجسد المعاناة الحقيقية.
الوجع هو الذي يدفعك دون أن تدري لأن تُطلق أنّاتك. صدقني الكوابيس الليلية لا تُفاجئ الذين ينامون مرتاحي البال.
دفعت الثمن غاليا
المرأة الشرقية عندما تكتب بجرأة زينب حفني يقابلها المجتمع بالرفض، وينبذها إلى ركن قصي مظلم، فهل شعرتِ انك تعيشين هذا المنفى؟ولو حسبت خسائرك وأرباحك ماذا ستجدين في كشف حسابك بعد هذا المشوار المتعب؟
- اعترف أن المشوار كان طويلا ومجهدا ومتعبا. لقد دفعتُ الثمن غاليا، وحملتُ قلبي على يدي مرات ومرات. وللأسف لا أزال أعاني تجاهلا لقلمي داخل الساحة الثقافية السعودية، ولا يُشار إلى اسمي كرائدة من الرائدات اللواتي نجحن في وضع بصمة خاصة بهن في تاريخ الأدب السعودي، ولا يُعترف بي كأديبة ساهمت في إثراء الساحة الأدبية، لكنني أراهن على التاريخ النزيه، كونه أقدر على تسطير الحقائق للأجيال القادمة.
في الماضي كنتُ أتألم لهذا التجاهل المتعمّد، لكنني اليوم مع النجاحات التي أحققها في الخارج، لم أعد التفت لهذا الواقع المؤلم، بل لقد استثمرته في تقوية أدوات التحدي في أعماقي لمواصلة المسيرة إلى نهاية الدرب.
غربة المكان
إقامتك بين لندن وبيروت ماذا أضافت لك وماذا أخذت منك؟ وهل نعتبرها انهزامية ناتجة عن حالات الشد والجذب بينك وبين أطراف المجتمع؟
-أريدُ أن أصحح لك هذه المعلومة، أنا لم أقم في بيروت، زياراتي المتكررة لها حبّا في أهلها، ولهذا البلد الذي أنعم الله عليه بجمال الطبيعة الخلاّب، إضافة إلى أن سفري إليها لمتابعة إصداراتي الأدبية التي جلّها تُطبع في بيروت.
بالنسبة للندن، أعتبرها تجربة ثرية بالنسبة لي، كوني تعاملتُ مع الآخر المتمثل في وجه من الغرب، من خلال المعايشة اليومية المباشرة، وليس كسائحة لا همَّ لها سوى الفرجة على «فاترينات الملابس»!!
يوم تباعدت المسافة، أحسستُ بالغربة تُجثم على صدري كوني لصيقة بأرضي وأهلي. ومع مرور الوقت وجدتُ نفسي أتلاحم مع هذه الأرض الغريبة عني، أنهل من ثقافتها، حضارتها، أمزجها مع هويتي وعروبتي. لقد عشتُ حالات شد وجذب كثيرة، فيها جوانب مضيئة وفيها جوانب قاتمة. لقد تعلمتُ في غربتي أن من الصعب أن تكسب الجميع لصفك، كما أن من المستحيل أن تجعل الكل عدوك.
الهروب من المجتمع
ألم تجدي في المجتمع الغربي ما يغري لكتابة عمل روائي جديد؟
- روايتي «لم أعد أبكي»، ثم «ملامح»، تشم في سطور كل منهما مرارة الغربة. لقد اختار أبطالي الهرب إلى البعيد بعد أن خنقتهم أعراف مجتمعاتهم الصارمة. في المجتمع الغربي الكثير يُغريك للكتابة، وفي جعبتي الكثير من الصور أتوق إلى سكبها على الورق مستقبلا، لكن هناك أيضا الكثير من القضايا الشائكة داخل المجتمع تُؤرّق فكري، وأعتبرها في مقدمة أولوياتي.
أثبتت التجارب أن غوص كثير من الأعمال الروائية في المحلية أطلقها للنجاح والشهرة، كيف تقرأين ذلك؟
- قد يكون كلامك صحيحا إلى حد كبير. لكن لا تنس أن العديد من الروايات التي كُتبت عن «المحلية» لا تمت لها بصلة، كونها تفتقد لعمق التجربة الحياتية والالتحام مع خبايا المجتمع. الرواية المحلية التي تجفل الاقتراب من المناطق المحرمة تُخرج العمل جامدا لا حرارة فيه. انظر إلى روايات نجيب محفوظ مثلا، تشم رائحة الحارة المصرية في كل سطر من سطور رواياته، وقس عليه الكثيرين.
واقع الرواية السعودية
كيف تنظرين إلى واقع الرواية السعودية وماهي الأسماء التي تحرصين على قراءة أعمالها؟
-الروايات السعودية قفزت قفزات واسعة في العقد الأخير، وهذا يعود إلى أن المجتمع يعيش ثورة في مختلف أوجه الحياة، وهو ما حرّك أقلام المبدعين بصفة عامة، والمبدعات بصفة خاصة، لتسطير هذه المتغيرات في قالب روائي، كون الرواية وحدها القادرة على تجسيد التحولات الاجتماعية بنبض حي، وهو ما يميزها عن الكتابة التاريخية التي يُسجلها المؤرخون بأقلام باردة وحس معدوم.
أنا من المؤمنات أن تشريح المجتمع بداية لتعديل المسار، لكنني متوجسة بعض الشيء من هجمة الجيل الجديد على كتابة الرواية، وهو ما أدّى مؤخرا إلى خروج روايات هشة تفتقد للبناء الروائي، وإلى اللغة الجزلة.
إنجاز رواية ليس بالأمر الهين، الرواية تستنزف صاحبها، وهي من أصعب الأجناس الأدبية، ونصيحتي للأقلام الواعدة التي ترغب في سلك هذا الدرب، أن تتأنى، وتبني لغة خاصة بها، وأسلوبا راقيا تُخاطب به القارئ العربي، حتّى لا يطغى الكم على الكيف في الساحة الثقافية.
سألتني لمن أقرأ!؟ أنت تعلم بأن آلاف الكتب تُطبع سنويا، وهو ما يجعلني أختار بعناية ما أقرأه. أنا أقرأ كل نتاج جيد، ولا أتوقف عند أديب أو كاتب بعينه، كون العمل الجيد يفرض نفسه.
أضف تعليقك