ليس للمرأة نية مبيتة لمزاحمة الرجل في أكل عيشه ولكن العالم تغير بسرعة لأسباب أهمها التكنولوجيا التي بدلت طبيعة احتياج الأعمال من العضلات الجسدية إلى القدرات العقلية ويبدو أن شقيقنا الرجل لم يستوعب هذا الانقلاب بعد ومازال يتحرك بإيقاع ديناصوري النزعة متباهياً بقوته العضلية المنقرضة الصلاحية. فباستثناء السياسة والشؤون العسكرية، فالمرأة في بلدنا أثبتت جدارتها أينما حطت قدمها، فها هي تنتشر بمهارة في التطبيب والتمريض والتدريب والتدريس العام والجامعي والتسويق، والهندسة والديكور والبرمجة والأعمال الإدارية والمكتبية والسكرتارية وتوريد الأقمشة والملابس وتصميم الأزياء وصناعة التجميل وصناعة الحلويات وتنسيق الحفلات وتوريد المنتجات والماركات العالمية، حتى وسائل الإعلام تفوق فيها الحضور النسائي. هذا الحراك الأنثوي الإبداعي يحلو للبعض أن يدين به المرأة ويرده في وجهها على شكل تهمة «منافسة الرجل» وليكن لهم ما أرادوا فهي تهمة مشرّفة لا يسرّ المرأة أن تتبرأ منها طالما أن العمل يخضع لقانون البقاء للأصلح.
وبمناسبة تطبيق نظام العمل الجديد الذي تضمن إجراءً حاسماً نحو تنشيط دور المرأة ويُعتبر مدخلاً صريحاً لانفراج حركتها للمشاركة في صنع الحياة مع باقي مخلوقات الله، إذا بحجارة قادمة من أعماق الكهوف ترفض الزحزحة وترتفع أصواتها لإحباط المرأة وإرهابها للتراجع عن المشاركة الإيجابية في تحقيق الحياة. فمرة تطالب بتحجيم مشاركة المرأة في العمل متذرعة بمفاهيم موروثة تحاول تمريرها في رداء شرعي، ومرة تطالب بعودة المرأة للمنزل حتى لا تزاحم الرجل على فرص العمل

للإنسان الحق في أن يختار ما يلائمه
من عمل يرضاه الله ثم يرضي طموحه

كحل مغلوط لأزمة البطالة الرجالية.
إننا لو غضضنا الطرف عن مجموعة الضرورات الاقتصادية والتنموية التي تتطلب عمل المرأة وتستوجب تنويع مجالاته لمقابلة هذه الضرورات، سيبقى هناك حق أصيل يغنينا عن التذرع بتلك الضرورات ويكفينا الحاجة إلى استجداء ضمير وعقول هذه الفئة القاصية عن المجتمع لتصفية بعض من أعرافها المنتهية الصلاحية والتي لا يمكنها بأي حال أن تصمد بها على أرض القرن الواحد والعشرين وهي تسير بعقلية القرن الحجري. هذا الحق الأصيل هو ليس حق العمل فحسب بل وحق الإنسان في اختيار العمل، ذكراً كان أم أنثى. معنى هذا أن للإنسان في مجال نشاطه الخاص، الحق كل الحق في أن يختار ما يلائمه من عمل يرضاه ويلائم ميوله ويرضي طموحه بما يرضي الله. إنه حق لا يقل شأنه عن حق الإنسان في الحياة والموت. إنه حق مستمد من قانون الطبيعة الدائم والثابت والمطابق للعدالة، وقد قرر ديننا العادل أن للإنسان حقوقاً طبيعية مرتبطة بشخصه وتكوينه البشري، وهذه الحقوق ليست ممنوحة من أحد ولا مكتسبة. هي حقوق منحها الله للإنسان باعتباره خليفته في أرضه وقد نادى القرآن بحقوق الإنسان في العمل قبل الدساتير الأمريكية وقبل منظمات الحقوق العالمية. إن العمل المنتج حاجة من الحاجات الأساسية للإنسان قبل أن يكون ضرورة تحتمها الأوضاع الاقتصادية. إن العمل يُرضي في الإنسان نزعة طبيعية ويوفر له مورد الرزق ويؤكد وضعه في المجتمع كفرد مفيد وبالتالي يرفع منسوب شعوره بالانتماء إلى وطنه. وإذا كان الإنسان هو صانع التنمية وهدفها في نفس الوقت، فإن الأولوية في أي خطة للتنمية تكمن في «توفير العمل المنتج لكل قادر بغض النظر عن جنسه» ونقطة قاطعة مانعة في نهاية الجملة.
إن ديننا يأمرنا، بصيغة المساواة بين الجنسين، بالعمل إن لم يكن للتكسب المادي فلتعميق كرامة الذات وهذه حقيقة غنية عن التدليل. وصوت البحث العلمي في دراسة الباحث محمد المشوح يقول «إن مستجدات الحياة العصرية ستتيح للمرأة السعودية استمرارية المحافظة على دينها وقيمها ووضعها الاجتماعي ومواكبة القفزات الحاصلة أو حتى المرتقبة... وعليه يجب أن يتم بث الروح الشرعية المعتدلة المعالجة لقضايا المرأة والبعيدة عن الطرح المتشدد والقائم على قواعد سد الذرائع وتحديد ضوابط لمثل هذه القواعد المشرعة».
أما هذه الحجارة فإنها آيلة للتفتت لا محالة ولا يُستغرب منها وهي في طريقها للتلاشي أن تكابر الإنقراض فتعمل بما تبقى لها من رمق على تجهيل المرأة ضد حقوقها وتقويض حركتها الذهنية والفسيولوجية والمجتمعية والاقتصادية والثقافية راجية عزلها عن منافذ الحياة بصفة عامة. يصاحب هذا التفتت إصابات، تنجح -أحياناً- في الوصول إلى لسان المرأة، فنشهد المرأة التي تردد ما تلقنته من دعاوى مغلوطة عن حرمانية عمل المرأة حتى في بيع ملابسها الخاصة، وعدم أهلية المرأة، وسقوط حقها في العمل في ظل عطالة الرجل. وإلى أن تتفتت الحجارة ستظل جاثمة فوق صدور الورد.
Suhair_farahat@hotmail.com
فاكس: 6223196 ص ب : 100545 جدة :11 213
تعليقات الزوار
نطلب ان تكون اعمق في طرحك | احمد العتيبي يقول... ان هجومك غير مبرر فان الحجرة التي تصفينهم ماهم الا على علم و يقين انك من خريجات جامعات الهدم و التدمير لمجتمع عرف بدينة و التزامه و نحن مجتمع نرى ما يدور حولنا يا امة الله (الا اذا كنتي تنكرين ذلك )في المجتمعات اليت طبقية خطط و بروتكولات صهيونه و هو اخراجك انت و بنات جنسك الى مجتمعات التكشف و السفور و هاهي العقول الناصحة في المجتمعات المختلطة عادت تنادي بتطبيق عودة المرأة الى بيتها.. نصحية لا تنجرفي و لا تضعي راسك في الرمل و كون خير معين لبناتك بلدك
نسأل الله الهدية لك و لمن هم في وضعك
اعتراف | دكتور محمد عمار يقول... قالت لى أحدى صديقاتى المقربات
نعم أقولها بعد تجربة.. اريد ان ارجع إلى (انوثتي)التي فقدتها أثناء اندفاعي في الحياة والعمل.. إن الذكاء (نقمة) في بعض الأحيان, وأغلب الأمراض الحديثة نتيجة ذلك..وما أجمل الوضع الطبيعي لكل شىء..لقد انفتح المجال أمامنا بشكل.. (أتعبنا جميعا).. والآن..
لا اجد تعليق مناسب سوى ما قاله المتنبى و كان كلمة حكمة... يا امة ضحكت من جهلها الامم