نحن شعب يشتري أغلى الساعات السويسرية، لكننا مع الأسف لا نقدر قيمة الوقت، وأغلب منازلنا تحوي حاسوباً أو أكثر مرتبطة بالإنترنت لكننا نستخدمها للترفيه أو لمتابعة حركة الأسهم أو للدردشة، ولا نستفيد من كونها نافذة على العالم، نستطيع لو أردنا أن نحصل بضغطة زر على أحدث المعلومات في مجال اهتماماتنا، وأن نطور أنفسنا، طريقة تفكيرنا، وأسلوب تعاملنا وقدراتنا اللغوية. وما ينطبق على الحاسب ينطبق على غيره من وسائل التقنية الحديثة، فمنازلنا تزخر بأدوات الحضارة لكننا شعب غير متحضر!
يقول المفكر الجزائري المسلم مالك بن نبي: إن تكديس أدوات الحضارة لا يصنعها فكما أنك لو كدست مئات الأطنان من الإسمنت والطوب والتراب لا يمكن أن تصنع منزلاً ولو انتظرت سنوات عديدة، ما لم تسلك طريقاً لبناء المنزل، وعندها تستطيع إتمام البناء بعد فترة من الزمن.
وأن الفرق بين الشعوب العربية وبين اليابان في مواجهة الحضارة الغربية، في بداية القرن العشرين، أن اليابان استخدمت أدوات

إن موقف الياباني كموقف التلميذ الذي درس الحضارة بالنسبة لحاجاته وليس لشهواته

الحضارة لبناء حضارتها، أما العرب فكدستها، أي أن موقف الياباني من أدوات الحضارة هو موقف التلميذ الذي درس الحضارة الغربية بالنسبة لحاجاته وليس بالنسبة لشهواته، أما العربي فوقف منها موقف الزبون، يدفع لها أمواله وأخلاقياته.
وفي هذا العصر، عصر السرعة والانفجار المعرفي، الذي يعيشه العالم ونحن جزء منه، يتحتم علينا، أكثر من أي وقت مضى، العمل على الاستفادة من وسائل التقنية، لنلحق بركب الحضارة المسرع، علينا اكتساب مهارات معينة، كمهارات الاتصال والتحليل والتعليل والقدرة على اتخاذ القرارات وغيرها، وهي مهارات إن لم ينجح التعليم في إكسابها فعلينا السعي لاكتسابها من خلال تطوير الذات بالالتحاق بالدورات التدريبية.
ثم إن علينا أن ندرك كأفراد أهميتنا في بناء المجتمع ومسؤوليتنا تجاهه، والهدف الذي من أجله خُلقنا، فنعمل على إتقان عملنا في أي موقع نكون فيه فأي تهاون في العمل يعتبر هدراً لإمكانيات المجتمع، وأن نراجع علاقاتنا بمن حولنا في محيط العمل أو المنزل فنعامل الناس كما نحب أن نعامل، فإذا اتصفنا بهذه الصفات التي دعا إليها ديننا الإسلامي فسنكون بذلك قد وضعنا خطانا على سلم الحضارة.
وعوداً على المفكر مالك بن نبي رحمه الله، فإن له سلسلة من الكتب تتحدث عن مشكلات الحضارة بأسلوب قوي جذاب وأفكار مقنعة، وعلى الرغم من أنه كتب بعضها في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات الميلادية، إلا أنها تنطبق بشكل كبير على واقعنا اليوم، وكتبه موجودة في المكتبات وبأرخص الأسعار، فسعر مجموعة منها أقل من سعر كتاب طبخ أو شعر مما يدل على أننا شعب مستهلك وليس مفكراً، فالكتب كغيرها تخضع لقانون العرض والطلب.
وأرجو ألا يفهم من كلامي أنني أستمتع بجلد الذات، لكنني ألاحظ الواقع وأشعر بعظم المشكلة، فطبقاً لقوانين الحركة في الرياضيات، علينا لكي نلحق بركب الحضارة، ونحن متخلفون عنه، أن نضاعف سرعتنا لتفوق سرعته حتى نلحق به، ولست أرانا قد بدأنا السير في هذا الطريق لكن مع الإرادة والأخذ بالأسباب والتوكّل على الله لا شيء مستحيل.
fma34@yahoo.com