رفيف الكلام
ديموقراطيون بلا ديموقراطية
أحمد عايل فقيهي
(1)
.. هناك ظواهر كثيرة في العالم العربي تستدعي التوقف عندها والمتابعة لها وقراءتها قراءة ماعنة وفاحصة.. وهي ظواهر تبدو للبعض انها عادية.. وتقف على السطح من الامور والقضايا.. ولكنها على العكس من ذلك هي في العمق من تلك الامور والقضايا لأنها تعبر عن الذهنية السائدة في الحياة الفكرية العربية وعن نمط التفكير الذي يحكم ويتحكم في هذه الذهنية التي غالبا ما تعبر في فهمها وممارساتها عن لغة سلطوية وقمعية واقصائية في اغلب الاحيان وفي مجمل الاحوال..
.. من ابرز تلك الظواهر الحديث الدائم عن الديموقراطية واعتقد ان اكثر الشعوب تحدثاً عن هذه الديموقراطية لفظا لا ممارسة هي الشعوب العربية.. بدءاً من الكتابات التي تمتلئ بها الكتب التي تتحدث عن «مفاهيم».. «العدالة» و«الليبرالية».. و«الحداثة» وانتهاءً بالكتب والدراسات التي تتكون محاورها عن «العقلانية» و«العلمانية» ومؤسسات «المجتمع المدني».. اضافة الى هذا السيل الجارف من المقالات التي تحملها الصحافة العربية..
(2)
اما الحديث عن الديموقراطية في الفضائيات العربية فتبدو الظاهرة اكثر بروزا.. وتعبيرا عن غياب العقل العربي المفتون بقراءة النظريات والمفاهيم -اكثر مما هو معني بتكريس هذه النظريات والمفاهيم على مستوى الواقع..
إنك في هذه الفضائيات لن تجد الا الصراخ واغلب الحوارات لا علاقة له بمفهوم الديموقراطية بل سوف تجد الكل يصادر الآخر.. والكل يحاول بكل ما استطاع ان يقصي من يجلس امامه.. وثمة رغبة حقيقية عند المتحاورين في عدم الاعتراف ببعضهم البعض.. وضرورة الظهور أمام المشاهد والمتابع بنشوة الانتصار وتبدو المسألة كما لو أنها منتصر ومهزوم، كاسر ومكسور.. غالب ومغلوب -وهنا يبرز منطق القبيلة القائم على الثأر فيما الغرب تجاوز الحديث عن الديموقراطية لتصبح جزءاً من هويته وحيويته.
(3)
.. اننا كعرب «نخبة وجماهير ديموقراطيين بلا ديموقراطية».. كما عبّر ذات مرة المفكر السياسي غسان سلامة.. اي اننا اكثر الشعوب تحدثا عن هذه الديموقراطية البائسة واقل تلك الشعوب في العالم ممارسة لها.. بداية من الجامعة والمدرسة وكافة مؤسسات الدولة والمجتمع.. وانتهاءً بالبيت والمجالس والصوالين التي لا يعرف معظم مرتاديها معنى ا لحوار وادبياته لذلك فإن ثقافة الاستبداد في الحياة العربية ثقافة عريقة بفعل المركزية ومن هنا نجد غياب الديموقراطية نتيجة طبيعية لهذه التراتبية..
لقد شخّص الدكتور علي حرب هذه المشكلة بقوله: «اذا كان المثقفون بصفتهم اهل كلام يتحدثون عن الديموقراطية ويطالبون غيرهم بتطبيقها وتحقيقها فإن علاقاتهم في ما بينهم ومعاركهم الرمزية العنيفة على ساحاتهم تشهد بأنهم أبعد ما يكون عن العقلية الديموقراطية»..
هكذا إذن هي الذهنية العربية.. مستبدة قامعة وتفكير عشائري في أبهى تجلياته.. فلا ديموقراطية لا على مستوى «المفهوم» ولا على مستوى «الفهم»..
أضف تعليقك