كنا في الحلقة السابقة قد تحدثنا عن تعريف الوطنية وأهمها. وفي هذه المقالة نواصل تأصيل الوطنية.
فالمملكة العربية السعودية التي ينتمي كل مواطنيها لهوية الإسلام التي تشتمل في نصوصها ومفاهيمها على الحث على حب الوطن والتضحية من أجل ديار الإسلام (حب الوطن من الإيمان، المسلمون كالبنيان المرصوص، المسلمون كالجسد الواحد).
هذه الثقافة الإيمانية تكرس حب الوطن في المواطن السعودي وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سبيل الله ثم سبيل الوطن والحث على كل ما يخدم الوطن وييسر حاجات المواطن ويحقق الأمن النفسي والجسدي له والنهي عن كل ما يضر الوطن حتى إماطة الأذى عن الطريق والنظافة واجب وطني.
ومن أهم أسس التربية الوطنية العامة حب العائلة واحترامها والارتباط القوي بها، فحب العائلة يكبر بحجم العائلة التي تندرج من الأسرة إلى العائلة فالإقليم فالدولة، أي عموم المجتمع المنتمي إلى هوية الوطن.
فالمواطن المسلم يعطي الوطن حيزاً واسعاً من الشعور والفكر الروحي المتمثل في أقصى معانيه في الجهاد، كما أن المواطن المسلم يتعدى حبه واحترامه الوطن الصغير إلى الوطن الكبير (الكرة الأرضية) فالمسلم يحترم بني الإنسان ويقدرهم ويسالمهم،

نموذج الوطنية لا يستورد ولا يمكن الامتثال لنموذج دولة أو شعب معين

فكل العالم عنده بنو آدم فهم إخوته في الإنسانية، إن لم يكونوا إخوته في العقيدة والهوية، فالمسلم يسالم كل الناس، إلا أن ثقافته لا تملي عليه بمثل ثقافة المسيحيين (من صفع خدك الأيمن اعطه خدك الأيسر).
فالمسلم يسالم طيّعاً ولا يعادي إلا من اعتدى عليه }ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم| وشعار الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وشرح هذا الحديث وبيان مدلولاته ومفهوماته تشمل كل ما ذكرت وتزيد عليه. كما أن مسألة المسلم لا تقتصر على الإنسان بل تتعدى ذلك إلى الحيوان والنبات.
ونموذج الوطنية لا يستورد ولا يمكن الامتثال لنموذج دولة أو شعب معين على إطلاقه دون التأمل والتفكير في الواقع المعاصر زمناً وظروفاً، ومراجعه ثوابت الوطنية العربية الإسلامية، فلكل وطن ثوابته وهويته الخاصة به مع مراعاة المرونة الكافية للتعايش مع الآخرين أو على الأقل عدم التصادم بالحضارات الأخرى، ومن هذا الأساس تكتب مبادئ التربية الوطنية.
فمفهوم إنجاز المواطنة لا يعني التجاور في السكن أو الاشتراك في المواطنة كواقع سياسي وإنما يجب أن يكون واقعاً اجتماعياً يتأسس على بناء روحي ونفسي وثقافي يتجاوز كل عوامل الفرقة والتشرذم ويقوم على بناء قيم المواطنة وحقوقها الاجتماعية والسياسية وجماعها العدل الذي يكرس قيم الانتماء الوطني لكل فئات المجتمع.
وتقتضي هندسة المجتمع تأسيس علاقات متبادلة بين المواطنين تساعد على الصهر والذوبان لعل من أهمها تنشئة الشباب وتثقيفهم على أسس الوطنية التي تقوم على تأسيس ذهنية خلاقة من المواطنة تعتمد على الانفتاح وتواصل الشرائح والفئات الاجتماعية وتتجاوز العداء والفرقة ونسج لحمة اجتماعية ناشئة وبناء للولاء والانتماء للوطن. مما يجعل المجتمع المتكون سياسياً متحداً مع تنوعه ومتصالحاً مع الآخر داخل الوطن السياسي الواحد. مما يمكن الجميع من الاشتراك في الحياة العامة الناظمة لكل التنوعات والاختلافات كوعاء جديد لمفهوم الوحدة الوطنية بشكل فعلي وواقعي والتي لا تترك «ثقب إبرة» لإثارة الأحقاد والضغائن بين مكونات الوطن الواحد والمجتمع الواحد أي هندسة المجتمع وفق نظريات سياسية واجتماعية. تدفع المواطن الشاب من الجيل الثالث مفعماً بالحيوية والنشاط والاندفاع لتحقيق إنجازات اقتصادية وثقافية وحضارية تمكن المجتمع السعودي من تحدي الكثير من الأخطار الخارجية فضلاً عن وجودها داخلياً، وكل ذلك لابد أن يتأسس داخل أطار العدل والمساواة في الحقوق والواجبات.. والله الموفق.
ibensunitan@hotmail.com