لا أحتاج أن أتحدث عن التقدم الهائل الذي تشهده مدينة دبي لأن ما ينشر في الصحف المحلية والعربية والعالمية بصفة يومية يغنيني عن ذلك، إضافة إلى الإعلانات الكثيرة التي تتحدث عن نفسها للمشاريع التنموية الرائعة والمتنوعة التي تشهدها هذه اللؤلؤة الخليجية الصغيرة. ما أتحدث عنه هو انعكاسات التقدم العربي، الذي تمثله دبي حاليا خير تمثيل، على الصراع العربي الإسرائيلي. ودبي، إن حالفنا الحظ، قد تكون الشرارة التي تسبب اشتعال انطلاقة عربية تنموية كبيرة نتمنى أن تتحقق في كافة أرجاء الوطن العربي. وإذا تحققت هذه الانطلاقة فقد يطغى أثرها على كل الحروب التي كسبتها إسرائيل.
دبي ليست وحدها في التقدم والتنمية ولكن وتيرة التقدم السريعة في دبي والمستوى العالي للإنجاز يجعلانها خير مثال على ما يمكن للعرب أن يحققوه في وقت قصير بالتخطيط السليم والتفكير المنفتح والجهد والطموح. وهناك انطلاقات قوية ومتميزة في مدن عربية كثيرة، من الرياض إلى الكويت والدوحة والمنامة وجدة ومسقط والاسكندرية وشرم الشيخ وبيروت وتونس غيرها. ونتمنى أن نرى اليوم الذي تصل عدوى انطلاقة دبي إلى غزة وطول كرم وباقي مدن الضفة الغربية.
أما تل أبيب فيغلب على أخبارها ما ينشر في وسائل الإعلام بعد حوادث التفجير المتقطعة والتي ليست إلا نتاج استمرارية سياسة البطش والظلم والعدوان والتفرقة العنصرية التي تتبعها الدولة العبرية. وهذا خير مؤشر على أن دور هذه الدولة في المنطقة والعالم يزداد انكماشا وتراجعا ويقل أهمية

ديمقراطية اسرائيل محصورة على رعاياها اما في غيرهم فتصبح مثالا صارخا للعنصرية

بالتزامن مع كل تقدم يحققه العرب.
إسرائيل لم تعد المثل الأعلى للتقدم المادي أو الاقتصادي أو التنموي في المنطقة كما كان يستشهد به أنصارها، ولم تعد المركز الوحيد للديموقراطية في عالم عربي تسوده الدكتاتورية المطلقة وتهميش الشعوب، كما كانوا يغسلون أدمغتنا به ليل نهار، بل إن ديموقراطية إسرائيل محصورة على رعاياها اليهود، أما في غيرهم فتصبح مثالا صارخا للعنصرية المطلقة. وكل ما تملكه إسرائيل من أسلحة تقليدية ونووية لن يفيدها إذا لم تقبل بحل عادل يعيد إلى الفلسطينيين قدرا مقبولاً من حقوقهم المغتصبة وينهي المأساة الطويلة التي خلقتها إسرائيل وحلفاؤها، بل إن هذه الأسلحة ستجعل من إسرائيل قلعة معزولة يتجنبها الجميع، خاصة جيرانها، لدرء شرها وخطرها. وسيزيد الجدار الفاصل المعتدي الذي تنشئه إسرائيل حول نفسها من عزلتها وانغلاقها.
العالم العربي في الواقع لا ينقصه شيء لتحقيق انطلاقة تقدمية كبيرة إلا السير في الاتجاه الصحيح، وقد أثبتت دبي ذلك. هنالك الأراضي الشاسعة والموارد الكثيرة. وأهم من ذلك هنالك الثروة البشرية التي لا ينقصها إلا الصقل والتدريب. هذه الثروة البشرية هي أكثر ما يخيف إسرائيل ويرعبها. ما يحتاجه العالم العربي هو التركيز على الفكر التقدمي والسير على درب التنمية الحقيقية. التقدم في هذا الدرب لن يأتي اعتباطا، بل يبنى على أسس قوية تتمثل في إذابة الجمود الفكري والتحجر. وإزالة العوائق التي تعترض التقدم، و التركيز على العلم والتقنية، وتنمية القدرات الذاتية مع الاستفادة من المشاركة العالمية. محاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وتبني المواهب الحقيقية وتجنب التحيز. البعد التام عن الصراعات القبلية والطائفية والتسلط وتنمية التلاحم الوطني و لغة الحوار. التوزيع العادل للثروات القومية، والتركيز على المشاريع ذات المردود التنموي العالي مثل المشاريع الصناعية والسياحية، وعدم إهدار الثروة على الصراعات الداخلية أو سباقات التسلح. التقليل من التبذير والإنفاق على المشاريع الاستهلاكية أو نقل الثروات إلى الخارج. الاهتمام بالمواطن، إشراكه في اتخاذ القرار على كل المستويات ، الاستماع إلى مشاكله. الحرص على توفير العيش الكريم له بخلق المزيد من الفرص للتعليم والعمل. مساعدته على تحقيق دخل ملائم يساعده على امتلاك مسكنه وبناء أسرة مستقرة. المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية وكبح الزيادة السكانية الجامحة.
العالم العربي، لا شك، أمامه طريق طويل في مجال الإصلاح السياسي ولكنه بدأ يتعرف بجدية في أغلب دوله على الانتخابات والشورى والحكومات الدستورية ويمارس قدرا منها. وعلى الرغم من كل ما يعانيه العالم العربي من جراح في فلسطين والعراق ولبنان ودارفور فإن الأمل كبير أن لا تمنعه هذه الجراح من المضي قدما على درب الإصلاح السياسي.
نتمنى أن تتكرر انطلاقة دبي في كل أنحاء الوطن العربي وأن تأتي الانطلاقات المختلفة بأشكال متمايزة تعكس خصوصية كل منطقة وتعكس مقوماتها ومواردها ولكن تكون متكاملة مع بعضها البعض بحيث تشكل منظومة قوية متناسقة. وليس مستبعداً، ان تحقق ذلك – والأمل في الله عز وجل كبير- أن يذوق العرب طعم الانتصار على إسرائيل.