السعودة المنتظرة
في الأودية التي لا يمكن أن تتصور وجود وافدين يعملون في مهن مختلفة.. ستجدهم بالمئات.. فهذا «نحّال» يقوم على رعاية النحل وتعهد خلاياه الشمعية من «اريتريا».. وذاك بائع في بقالة في أسفل إحدى العقبات من «بنجلاديش».. وذاك راعٍ من «السودان».. وآخر في محطة بنزين القرية من «الباكستان».. وتقريباً لا يوجد شعب أو وادٍ أو مرتفع أو عقبة إلا وفيها من الأخوة الوافدين عرباً ومسلمين ما يفيض عن الحاجة وكأن استخدام العمالة من الخارج أصبح سمة من سمات مجتمعنا البدوي والحضري على حد سواء.. وأنا هنا لا أعترض على أن يكون بيننا من إخواننا الوافدين من يقوم بأداء مهمة نحتاجها ولدينا عجز فيها خصوصاً بعض المهن الفنية التي لا أعتقد أننا سنستغني عنها قبل حلول قرنين قادمين، فالشواهد تدل على أن الاعتماد على العمالة الوافدة لن ينتهي خصوصاً في الأعمال المهنية التي لم تجد حتى الآن قبولاً لدى الشباب السعوديين فسنظل نحتاج السباك الباكستاني والنجار الهندي والكهربائي البنجلاديشي والممرض الفلبيني أما المهن الأخرى التي لا تحتاج إلى مهارة كالباعة والعمال ونصف الفنيين أو ربعهم فإننا سنظل نحتاجهم أبد الدهر.
يحدث هذا والشباب السعوديون الباحثون عن عمل يظلون يجوبون بملفاتهم الخُضْر كل مؤسسة وشركة بحثاً عن عمل ولا أعرف سبباً واحداً لا يجعل شاباً سعودياً يحمل الابتدائية لا يعمل في بقالة أو في محطة بنزين أو في أي محل تجاري كبائع أو مراقب أو حتى «جرسون» في مطعم أو فندق.. أقول هذا وأنا أشاهد موظفاً من إحدى الدول العربية مهمته فقط الوقوف عند بوابة مطعم في أحد الفنادق بمدينة أبها ليسأل عن رقم غرفة نزيل الفندق.. وأخذ توقيعه على فاتورة الغداء أو العشاء.. وأكرر قولي وأنا أرى مجموعة من «البنجاليين» وهم يشتركون في فتح محل تجاري لبيع الأدوات الرخيصة بريالين وخمسة وعشرة ريالات.. تحت كفالة سعودي يتقاضى منهم إتاوة شهرية وليس له غير الاسم أمام التجارة والبلدية.. لماذا لا يشترك ثلاثة شبان أو أربعة من الباحثين عن عمل في فتح مثل تلك المحلات بقرض من هيئة خاصة أو حكومية..؟ ولماذا لا نحاول أن نضغط قليلاً على ظاهرة «البنجلة» التي تكاد تسيطر في كل أنحاء المملكة على محلات بيع الخردوات والكماليات الرخيصة.. فنسعودها بشرائها منهم وتسليمها لسعوديين..
طرحت هذه الفكرة على عدد من رجال الأعمال والتجار في جلسة خاصة فقالوا بأن المشكلة في شبابنا أو لنقل في بعض شبابنا المتسيبين وغير المنضبطين ويقسم أحدهم بأنه وظّف أكثر من خمسة سعوديين وظيفة كتابية بمؤسسته ولم يجد بداً في النهاية من الاستعانة بوافد يحترم «لقمة عيشه».. فهل هذا هو السبب؟! إذا كان كذلك فالحل هو الزمن مصداقاً للمثل القائل «من لم يربِّه أهله فإن الزمن كفيل بتربيته».