لم يعد من المناسب أو المقبول، وقد تغيرت الظروف، ظروف المجتمع وأخلاقه، أن يستمر بعض الناس في الذهاب إلى البنوك حاملين معهم شيكات بمئات الآلاف من الريالات بقصد صرفها نقداً ثم حملها في كيس أو زنبيل بلاستيك لدفعها إلى موظفين يعملون في مؤسسة أو شركة أو جهة حكومية، فإذا تربص بهم سرّاق يراقبون خفية الداخل إلى البنك والخارج منه.. صاحوا إن سلموا من الإصابة القاتلة: الحقونا.. سرقونا..!!
أقول قولي هذا بعد أن قرأت آخر ما نُشر صحفياً عما حصل في حوطة بني تميم عن تعرض محاسب شركة عربي لإصابة بالغة في رأسه بعد أن صرف من أحد البنوك شيكاً بمبلغ يزيد عن مليون ريال، تمثل رواتب الأطباء والممرضين والعمال في مستشفى خاص، فداهمه السراق وهو خارج «بالكنز» وأصابوه في رأسه وأخذوا المال واختفوا عن الأنظار في الحال، حيث لا تزال السلطات تتعقب آثارهم للقبض عليهم وتقديمهم للعدالة!
لقد كان جميع المحاسبين في الدوائر الحكومية يذهبون إلى مؤسسة النقد أو البنوك حاملين «شنطة»

ساءت الأخلاق وخربت الذمم واندس في المجتمع من اندس

كبيرة، يضعون فيها ملايين الريالات لصرفها رواتب في نهاية الشهر على الموظفين، وأذكر أن محاسب التعليم بمكة المكرمة كان يدخل مبنى إدارة التعليم بالعاصمة المقدسة أيام الأستاذ سهل المطرفي المدير الأسبق، وهو «أي المحاسب» راكباً سيارة شحن تحمل أكياس الفلوس وفي كل كيس نصف مليون ريال، حيث إن الاستحقاقات الشهرية لمعلمي أم القرى وما حولها تزيد في حينه عن عشرين مليون ريال شهرياً!، ولكن الجهات الرسمية سرعان ما ألقت ذلك التقليد «الطوباوي» بعد أن أدركت تغير الظروف فأخذت تصرف لكل مدرس شيكاً باسمه، ثم تطور الأمر فأصبح راتب المعلم يدخل في حسابه البنكي ويا دار ما دخلك شر، وهذا الإجراء أصبح عاماً، حتى جماعتنا جماعة الرابطة أخذوا به مؤخراً طلباً للسلامة والأمان!، فما بال أفراد أو مؤسسات يقومون بنقل أموال ضخمة بمئات الآلاف من البنوك إلى أعمالهم أو منازلهم، ثم لا يتوقعون وقد ساءت الأخلاق وخربت الذمم واندس في المجتمع من اندس فيه من ساقط ولاقط! ثم لا يتوقعون أن يتعرضوا لسلب ونهب.. أليست هذه هي الغفلة المغلَّظة؟!
تصرف حكيم
التصرف بحكمة يدل على قدرة إدارية جيدة، وقد أعجبني مؤخراً ما نقله الزميل الدكتور خالد سابق الكاتب بجريدة الندوة وأحد أعلام رجال التربية والتعليم بأم القرى، عن تصرف حكيم قام به قبل سنوات رئيس مؤسسة حجاج الدول العربية الأستاذ فائق بياري الذي فوجئ في زحمة الحج والناس، بوصول حجاج من ليبيا يمتطون الجمال والإبل، بعدد يزيد عن ثلاثمائة جمل، وقد سمحت لهم السلطات السعودية بالمرور على الرغم من غرابة ما أتوا به بتوجيه من سلطاتهم بحجة إحياء ركب الحج النبوي، فما كان من الأخ البياري إلا أن استأجر حوشاً كبيراً في محافظة الجموم آوى إليها الإبل ووكَّل بها من يحرسها ويطعمها ويسقيها على حساب المؤسسة باعتبارها من ضيوف المؤسسة! ثم حمل الحجاج مع غيرهم إلى المشاعر فأدوا نسكهم ثم ودعوا بمثل ما استقبلوا به من حفاوة وتكريم، وبمثل هذا التصرف الحكيم أطفأ البياري مشكلة كان من الممكن أن تطول وتتفرع.. فما هو رأيكم في تصرفه؟!