الصين.. «من القفزة الكبرى» إلى «الثورة الثقافية»
أدت حركة التصحيح التي أعقبت فشل تحقيق شعار «القفزة الكبرى إلى الإمام» إلى تراجع نفوذ ماوتسي تونغ داخل الجهاز الحزبي، غير انه سرعان ما استطاع استعادة مواقعه ونفوذه من خلال انطلاق « الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى» عام 1966التي عمدت إلى إعادة الاعتبار إلى العمل اليدوي في الأوساط الإدارية ولدى القيادات الحزبية والحكومية التي تعرضت إلى هجوم شديد من قبل القواعد الحزبية وجنود الحرس الأحمر، وتم عزل وإرسال الكثير من القيادات الحزبية وفي مقدمتهم رئيس الدولة آنذاك لي شاو تشي إلى الريف لأعادة «تثقيفهم» وممارستهم «للنقد الذاتي» وتعميق الشعور الطبقي لدى الكادحين من العمال والفلاحين والجنود من خلال التعبئة الأيدلوجية والسياسية ومهاجمة «القيادة البرجوازية الحاكمة» في الحزب والدولة، مما أدى إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي. ومن اللافت انه على الرغم من الفوضى التي سادت الصين إبان الثورة الثقافية ان تحولت وخصوصا كراس ماو المسمى «الكراس الأحمر» إلى رافد وملهم لثورة الطلاب والشبيبة في مختلف أنحاء العالم (أحداث 1968) خصوصا في بلدان الغرب، واعتبرها العديد من كبار المثقفين والمفكرين مثل جان بول سارتر وروجيه دبريه وماركوزه أنها بمثابة «ثورة في الثورة» وبأنها بداية النهاية لهيمنة الأنظمة الاستغلالية (الرأسمالية) في الغرب والأنظمة الشمولية (البيروقراطية) في الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، ومعروف بان انتفاضة الطلاب والشباب في فرنسا أجبرت الزعيم التاريخي الرئيس الفرنسي شارل ديغول على الاستقالة عقب تلك الأحداث. وفي شهر ابريل 1969 انعقد المؤتمر التاسع للحزب بعد مرور ثلاثة عشر عاما على انعقاد المؤتمر الثامن وفي غياب لكل الوفود الأجنبية، وصادق المؤتمر على إبعاد عدد من الرموز القيادية السابقة المناوئة

الدعابة أن تبيع أمريكا سلعاً للصين
ولكن الفكاهة أن يحدث العكس..!

لخط ماوتسي تونغ الذي تكرست زعامته وتم فرض لين بياو القائد العام للجيش الأحمر بمثابة خليفة له في قيادة الحزب، غير انه في عام 1971 أعلن عن مقتل لين بياو في ظروف غامضة بعد تحطم طائرته التي قيل انه كان متوجها بها إلى الاتحاد السوفيتي في حين دخل الخلاف الصيني – السوفيتي الذي تفجر منذ أوائل الستينات مرحلة جديدة من التوتر والصراعات والخلافات العلنية والحروب والاشتباكات الحدودية خصوصا بعد أن اتهمت بكين موسكو «بالتحريفية» و «خيانة المبادئ الاشتراكية وممارسة الامبريالية الاشتراكية». في عام 1964 فجرت الصين قنبلتها النووية الأولى وأطلق ماو آنذاك شعاره الشهير «الامبريالية نمر من ورق» وبأنه لا مجال للخوف من المجابهة مع الامبريالية حتى لو أدت المجابهة إلى «هلاك نصف البشرية لان النصف المتبقي سوف يبني الاشتراكية على أنقاض الرأسمالية المهزومة» وقد رد عليه الزعيم السوفيتي آنذاك نيكيتا خروشوف متهكما «إذا كانت الامبريالية نمراً من ورق فإنها في الوقت نفسه تمتلك مخالب نووية» لقد انعكس الخلاف والصراع الصيني/ السوفيتي على وحدة الحركة الشيوعية والعمالية، وعلى حركة التحرر في العالم، مما سهل على الولايات المتحدة التدخل لتوسيع شقة الخلاف والصراع بينهما، وتوج ذلك بالزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين في (1972) فيما عرف بدبلوماسية تنس الطاولة ومن خلال وساطة الصحفي و المليونير (الأحمر) الأمريكي وصديق ماوتس تونغ القديم ادجار سنو مما مهد الطريق أمام الصين الشعبية لاستعادة عضويتها في مجلس الأمن الدولي بعد سحب الاعتراف بتايوان.في يناير 1976 توفي شو آن لآي رئيس الوزراء الصيني المحنك والمعروف ببارجماتيته وتوفي من بعده ماوتسي تونغ في سبتمبر 1976، غير انه سرعان ما تفجر الصراع على السلطة بعد بضعة أسابيع على موته مع من أطلق عليهم « عصابة الأربعة» والتي ضمت جيانج قنج زوجة ماو الذين كانوا ا يطرحون أنفسهم باعتبارهم ورثة الخط الثوري للزعيم الراحل ولكن موازين القوى لم تكن لصالحهم فتم اعتقالهم وتجريدهم من مناصبهم، وبدأت القيادة القديمة التي طردت أثناء الثورة الثقافية تسترجع مكانتها وتتبوأ المناصب القيادية من جديد وفي مقدمتهم دنج هسياو بنج (الذي استطاع أن يواجه نظام التطهير السياسي الصارم ثلاث مرات وخصوصا ابان الثورة الثقافية) الذي أعيد في يوليو 1977 إلى كافة مناصبه الحزبية والعسكرية، وأصبح عمليا الرجل القوي في الحزب منذ ذلك الحين (وحتى وفاته في فبراير 1997) وكرس ذلك المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الذي انعقد في أغسطس 1977 وارتبطت باسمه مجمل التحــــــــولات والإصــــلاحات خاصة في المجال الاقتصادي وإعادة هيكلة مجمل الاقتصاد الصيني وتحديثه ضمن المفهوم الصيني الرسمي «اقتصاد السوق الاشتراكي». كتب المحلل الأمريكي الشهير توماس فيردمان عن ذكرى اللقاء الأول بين كيسنجر (وزير الخارجية الامريكي) وشو آن لآي رئيس وزراء الصين لترتيب العلاقات الإستراتيجية بين البلدين في السبعينات ما يلي «اعتاد كيسنجر أن يقول على سبيل الفكاهة إن رجال الأعمال الأمريكيين لم يفتأوا يضايقونه بأحلامهم في أن يبيعوا مليار (عدد سكان الصين مليار وثلث المليار نسمة) زوج من الملابس الداخلية للصينيين... ها ها ها ويعلو ضحك رجلي الإستراتيجية الكبيرين وهما جالسان فوق مقعديهما الوثيرين يالها من دعابة، أمريكا تبيع سلعا للصين الشيوعية، ولكن الفكاهة الكبرى هي أن تبيع الصين سلعا لأمريكا، يالها من صورة هزلية مثيرة».