من الحياة
الحسيني.. بذراع لا تحمل كفاً ولا أصابع:
رفضت أموال الشفقة
حسين الحجاجي (جدة)تصوير: محمد باكراع
لم يتوسل ولم يرتهن في أكل عيشه على فتات الاخرين.
لم يترقب نظرة اشفاق او حتى احسان.. هكذا ولد وهكذا يجب أن يتكيف بل وهكذا يجب أن يعيش.. لا عيب.. طالما أن المسألة لا تعيق روح الارادة داخله ولا مشكلة طالما أنه أراد أن يتجاوز الموقف بلا مشكلة.. لم يشعر قط ولا أحب أن يترك لمثل هذا الشعور أن يمتد إلى نفسه.. وما أحس أنه أقل من الاخرين بل مثلهم ولا ينقصه شيء
من هنا.. ومن هذه الارادة الرائعة صنع نفسه بنفسه بعد توكل
واستعانة بالله لا بأحدٍ من البشر..
هكذا خلقت يا صديقي وهل يعيب أحدنا خلقا خلقه الله.. الا من كان جاهلاً..
والجاهل اصلا من يلتفت له..
لم أكترث ولن أكترث.. وخصوصا الان تجاوزتها في الصغر أفلا أتجاوزها وانا في هذا السن!! كنحلة لا تهدأ وجدت الرجل.. يحمل هذا الكيس.. ويضع تلك «الليات» ويتفحص «شيشة» معطوبة ويمد لها يدا بلا كف كي يقوم بعملية «التلحيم».. يقلبها ويتحسسها بذراعه تلك التي لا أنامل بها.
كيف؟؟ ذلك هو السؤال؟
وتلك هي قصة عمرها تسع وثلاثون عاما هي سنوات العمر لـ «محمد علي محسن الحسيني» بائع «الجراك ومهندس الشيش» يقول: عندما انجبتني أمي ولدت بهذه الصورة.
هذه اليد كانت بلا «كف وبلا أصابع» واذكر عندما كنت صغيرا أن هذه الاعاقة كانت محل سخرية الصغار.
«اندادي» او من يماثلونني في العمر.. لا أذكر أنني كنت أغضب منهم او من سخريتهم فقد علمني الوالد والوالدة أن هذه مشيئة الله ومشيئة الله لا تقبل السخرية ولهذا تعاملت مع نفسي وفق هذه القناعة ولله الحمد والعجيب أنني مع الايام ما عدت اكترث لها بل كنت امارس حياتي مثل الاخرين فهل تصدقني اذا ما قلت لك أنني كنت عامل «بناء» أحمل خلطة الاسمنت والطوب وأقوم بعملية البناء على أكمل وجه.
بل انني عملت حتى في الزراعة قمت بعملية الفلاحة بالمحراث وأبذر البذور مع غيري ولا أحد يشعر بأنني مختلف عنهم بل كانوا يكلفونني بأعمال كبقية الناس.
وبقيت على هذا الحال حتى كونت نفسي وقررت الزواج.
ألم تواجهك صعوبة في قبولك كزوج وانت بهذه اليد او هذه الاعاقة؟
- لا ابدا... لقد قبلت بي أول اسرة تقدمت لخطبة ابنتهم وكانوا من الاسر القريبة إليّ لم يترددوا او تدري لماذا؟ لأنهم لم يجدوا في ما «يعيب او ما يمنع» فأنا رجل اشقي واتعب من أجل أن التقط لقمة عيشي، لم أعتمد على الاخرين في هذا بل انني كنت أعول أسرتي بالكامل.
كما أنني قد كونت نفسي وبما حصلت عليه من مجهودي بعد توفيق الله تمكنت حتى من بناء بيت لي ولكافة اسرتي.
كنت أعمل بجد ونشاط ولا زلت فما الذي يمنع الاخرين من تزويجي.
بالعكس هناك من كان يتمنى لو تقدمت للزواج من ابنته وبعضهم قال لي ذلك بالحرف الواحد: أنت يا محمد لو تريد الزواج من ابنتي لما ترددت واعطيتك إياها.
هناك احيانا أجد مشقة في حمل الشيء الثقيل لكنني أتحايل عليه بصورة او اخرى لكي اسدد هذا العجز في يدي.
مع سنوات العمر وجدت نفسي أن لا شيء يجعلني أجد معاناة بوجود هذه الاعاقة.
القضية هنا واشار الحسيني الى صدره وقال: القضية هنا اذا استسلمت للعجز في هذا المكان ويقصد -القلب- ماتت الارادة وماتت الحياة كما يفترض أن تعيش.
أعوذ بالله لم أفكر أن أعيش على أكتاف الاخرين او أن أقتات من تعب الاخرين.. الحمد لله منذ الصغر ترفعت عن مد يدي بأي شكل حتى ما كان البعض «يهبه» لي على سبيل الهدية كنت أرفضه وأقول لهم: أنا لست فقيرا او محتاجا-القرش ما يأتي بهذه اليدين-.
كنت أردد هذا منذ أن كنت طفلا ولذلك لا اذكر مطلقا أنني وضعت في جيبي أي -قرش- هو من ايدي الاخرين لقد علمتني هذه «الخلقة» خلقة الله كما أرادها لي -الكبرياء والشموخ عما في يد الناس وعما لا استحقه وعما لا يأتي من كدي وعملي وشقاي وبتوفيق الله قبل كل ذلك.
قلت له: ولكن الا تعتقد أن بعض زبائنك ربما يتردد على محلك من باب الشفقة مثلا؟
- رد بابتسامة قائلا: لا يارجل لماذا الشفقة ولماذا العطف، الزبائن اذا لم يجدوا خدمة مميزة وتعجبهم.. صدقني لن يكلفوا انفسهم تعب المجئ الى هنا.. أنا بالفعل أقدم خدمة مميزة بل ان بعض زبائني لا تمثل له يدي أي موضوع يلفت نظره او يدفعه حتى للتفكير بها فأنا كما قلت امارس عملي بشكل عادي ربما احتاج في بعض الاحيان لفتح «علبة» يصعب علي فتحها إنما هذا ليس بشكل مستمر.