الجهات الخمس
داليا.. الوداع الأخير!
لم تكن «داليا» ابنة السبع سنوات وهي تلوح بابتسامتها الساحرة وأصابعها الرقيقة لصديقاتها عند بوابة المدرسة وهي تغادرها لتركب السيارة التي كانت قد أقلت لتوها شقيقها ابن السنوات الخمس من القسم التمهيدي أنها ستكون تلويحة الوداع الأخيرة!!
فقد كانت السيارة التي حملت البراءة النقية غير الملوثة على موعد دبره سائق أرعن مع الموت ليختطف «داليا» وشقيقها في لحظة سوداء امتزج فيها الأنين الخاطف بالصمت الأبدي ويطفئ نور طفولتهما ويكتب نهاية مشوارهما في هذه الحياة الذي لم يكن قد بدأ بعد!
ماتت «داليا» وماتت معها الابتسامة الرقيقة التي كانت تعبر بها تلك البوابة كل صباح وظهيرة.. ماتت «داليا» لتترك آخر أثر لها في دنيا لم تكن قد بدأت تخطو فيها خطواتها.. مقعد شاغر وطاولة خالية من الكتب!
كان والدها قد مات قبل سنة وخلف لأرملته «داليا» وشقيقها ليكونا شمعة الأمل الوحيدة التي تضيء ظلمة وحدتها وتبث السلوى في نفسها والدفء في قلبها والأمل في وجدانها.. لم تكن «داليا» تعلم أن أباها قد غادر دنياها، وكانت تقول لصديقاتها انه مسافر.. مسافر وسيعود قريبا مهما طالت مدة سفره.. كانت تعد الأيام وتسأل كل يوم متى يعود فقد اشتاقت اليه.. لم تكن المسكينة تعلم أنها على موعد مع رحلتها الخاصة لتلحق بأبيها حيث رحل.. سافرت «داليا» هي الأخرى واصطحبت معها شقيقها في رحلة سفر لن يعود منها هو أيضا !
ماتت «داليا» ولن تعود أبدا لتعبر تلك البوابة بعد اليوم، ولكن صديقاتها سيعبرن ليجدن مقعدا خاليا يحتله طيف «داليا»، وعندما يقرع جرس الفسحة فان «داليا» لن تكون هناك لتلعب معهن.. وعندما يقرع الجرس الأخير ويعبرن بوابة الخروج فان «داليا» لن تكون هناك لتلوح لهن مودعة.. فقد كان وداع الأمس هو الوداع الأخير!
Jehat5@yahoo.com