الصين في نظر المحللين والخبراء الاقتصاديين تعتبر التنين الاقتصادي العملاق في العالم من حيث معدلات النمو السنوي التي تصل إلى 10%حيث استطاعت مضاعفة دخلها الإجمالي ثلاث مرات منذ العام 1985 وتمثل الآن رابع اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا الاتحادية، ويتوقع الاقتصاديون أن تصبح اكبر اقتصاد عالمي في غضون عشر سنوات، حيث إن معطيات منظمة التجارة العالمية ذكرت في تقريرها السنوي انه في حين حققت الصين نمواً إجمالياً وصل إلى 9.9% لعام 2005 فان الاقتصاد العالمي حقق نمواً بنسبة 3.3%، ووصل نمو إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى 3.5 %و1.6% على التوالي خلال نفس الفترة وبانخفاض عن 4.2% و2.2% في عام 2004 بينما ظل إجمالي الناتج المحلي الهندي متفوقا هو الآخر حيث بلغ 7.1% عام 2005 . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما العوامل التي أدت إلى تحقيق الصين لقفزتها «الحقيقية» الكبرى مقارنة بشعار «القفزة الكبرى وسياسة حرق المراحل» الذي رفعه مؤسس الصين الحديثة ماوتسي تونغ في الخمسينات والذي أدى إلى تدمير القطاع الزراعي وتدهور الصناعات المتوسطة والصغيرة وتردي أوضاع العمال والفلاحين والحرفيين وصغار الملاك والبرجوازية الصغيرة والمتوسطة على حد سواء والتي أوصلت الشعب الصيني إلى حافة المجاعة الحقيقية ؟ قطعت الصين مسيرة طويلة وشاقة ومعمدة بالتضحيات والآلام لتجاوز حالة الضعف والفقر والتخلف والأمية والاستبداد والاستتباع سواء في مرحلة الحكم الاوتقراطي الإقطاعي السابق، أو في مرحلة تكالب القوى الاستعمارية البريطانية والأمريكية والفرنسية واليابانية التي سعت منفردة ومجتمعة إلى تمزيق واختراق للسيادة الصينية من خلال التهديدات العسكرية التي بلغت ذروتها في حرب الأفيون الأولى (1840- 1842) وحرب الأفيون الثانية (1857- 1860) التي أرغمت الصين على فتح أسواقها وموانئها للسلع والبضائع البريطانية، وقبل كل شيء فتح أسواقها أمام عودة تجارة الأفيون، ومن خلال منح الامتيازات المجحفة بحق الصين للولايات المتحدة وفرنسا على غرار الامتيازات

هكذا تعامل دعاة الحضارة المدنية الغربية مع «مملكة السماء»..!

البريطانية إلى جانب حق الدول الغربية في نشر المسيحية والاعتراف بمشروعية الكاثوليكية والبروتستانتية في الصين، وبموجب الشروط البريطانية فقد اضطرت الصين إلى دفع 21 مليون دولار تعويضا للانجليز عن الأفيون الذي صادرته السلطات الصينية، وان تتنازل عن جزيرة هونغ كونغ مع إعفاء الرعايا البريطانيين من الخضوع للقانون الصيني وان تتمتع بريطانيا بامتياز الدولة الأولى بالرعاية في معاملاتها التجارية مع الصين وان تهبط الرسوم الجمركية على الواردات البريطانية إلى اقل من 5% من قيمة الواردات ثم خفضت لاحقا إلى 2.5% فقط من قيمة الواردات وأقام المستعمرون الجدد تجمعات وأنشأوا أحياء راقية كتب على مداخلها «ممنوع دخول الصينيين والكلاب» هكذا تعامل دعاة الحضارة المدنية الغربية مع «مملكة السماء» الاسم التاريخي العريق للصين التي تعتبر من أقدم الدول واعرق الحضارات في العالم (طريق الحرير المشهور منذ 500 سنة قبل الميلاد الذي ربط الصين بالمنطقة العربية مرورا بالهند وبلاد فارس وصولا إلى شمال أفريقيا ومنها إلى أوروبا والقارة السوداء مثال على ذلك) وقد أدت هذه الشروط المذلة إلى خلق مناخ ثوري واسع في الصين سرعان ما تطور إلى هبات وانتفاضة قومية ضد الأجانب والمتعاملين معهم لم تهدأ حدتها إلى أن استطاع الزعيم الوطني الصيني الكبير صن يأت صن من وضع حد للحكم الاوتقراطي، وتأسيس دعائم الصين المعاصرة في بداية القرن العشرين، غير أن أوضاع الغالبية الساحقة من أفراد الشعب الصيني (يشكل الفلاحون نسبة 90% منه) ظلت على ما هي عليه من التخلف والفقر والأمية والحرمان جراء استمرار هيمنة قوى الإقطاع والملاكين وارتهانهم للقوى الأجنبية والذين عملوا على إفشال وإجهاض البرنامج البرجوازي الديمقراطي (الإصلاح الزراعي) الذي رسمه صن يأت صن خصوصا بعد وفاته، وبالتالي فإن المهمة المزدوجة التي واجهت الصين وهي انجاز مهام التحرر الوطني «تصفية الكولنيالية ودحر القوى المحلية التي تعبر عن مصالحها» من جهة وتحقيق وانجاز مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية «تصفية الإقطاع وتنفيذ الإصلاح الزراعي الجذري» من جهة أخرى ظلت معلقة، خصوصا بعد تسلم تشان كآي شك لمقاليد حزب الكومنتانج (الحزب الوطني الجمهوري) وانحرافه عن المحتوى الديمقراطي لحركة صن يأت صن، وفي الواقع فإن الحزب الشيوعي الصيني أنجز تاريخيا المهام الوطنية الديمقراطية (الثورة البرجوازية) ولكن من خلال القطع والتجاوز وفقا لمفهومه في تداخل وحرق المراحل وصولا الى تحقيق أهدافه الإستراتيجية المعلنة في إرساء العلاقات الاشتراكية، وبذا فإن تاريخ الصين المعاصرة ارتبط بشكل وثيق بتاريخ الحزب الشيوعي الصيني الذي تأسس في يوليو 1921 بمدينة شنغهاي على يد 12 شخصا من بينهم الزعيم ماو تسي تونغ الذي أنتخب في عام 1925 رسميا أمينا عاما للحزب وفي عام 1925 تحالف مع الكومنتانج الذي أسسه صن يأت صن عام 1912غير أن التحالف المشترك بينهما سرعان ما انقطع عام 1927 بعد سيطرة الجنرال شان كآي شك على مقاليد الحزب بعد وفاة صن يأت صن، وفي الأول من أغسطس 1927 تأسس الجيش الشعبي الصيني تحت قيادة الجنرال تشوته الذي التحق بماوتسي تونغ، وفي عام 1928 عقد المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الصيني مؤتمرا استثنائيا وقد تبنى المؤتمر برنامجا من عشر نقاط أهمها: إنهاء الهيمنة الامبريالية وتوحيد الصين ومصادرة المؤسسات والمصارف الأجنبية وإعطاء الأرض للفلاحين وقلب حكم الكومنتانج العسكري وإقامة حكم يتمثل فيه العمال والفلاحون والجنود والتضامن مع البروليتاريا العالمية والاتحاد السوفيتي، غير أن الانتفاضة التي فجرها الشيوعيون والجمهورية السوفيتية (الصينية) التي أسست واجهت ضغوطا عنيفة من قبل قوات تشان كآي شك ورافقتها إعدامات واعتقالات واسعة طالت قواعد وقيادات الحزب ومع اضطرار الجيش الأحمر إلى الانسحاب من العديد من المناطق والاقاليم التي سقطت في يد الجيش الصيني الموالي للكومنتانج فقد تقرر القيام بالمسيرة الكبرى التي استمرت من أكتوبر 1934 وحتى أكتوبر 1935 والتي يعتبرها المؤرخون الصينيون بأنها ملحمة وطنية حسمت مسار الصين وأكدت زعامة ماوتسي تونغ.