ما أعنيه بمصطلح «تغيّر الأخلاق» ما يطرأ على الإعلامي من تحوُّل تعامله الإنساني الرفيع إلى الوضيع، إذا تسلّم منصباً كبيراً، فظنّ أنه سيخرق الأرض وسيبلغ الجبال طولاً، إذ لم يترفّع عن إهانات المتعاملين معه وما درى أنه أهان نفسه، وأراد أن يُذل من لا يقبل الذل ولا يرضاه، وهذا يحدث -في تقديري- إذا كان الإعلامي ليس من جوهر نفيس، ولم يملك محاسن الأخلاق مثل: كرم الطباع، والحياء، والصفح، وحسن الكلام، وسلامة الناس من أذاه.
في الوسط الإعلامي العربي، كُثر من الإعلاميين صادفوا نمطين من قادة العمل الإعلامي: الأول: ظلّت أخلاقه على حاله قبل أن يتسلّم القيادة، والآخر: على النقيض من الأول: ساءت أخلاقه، وسوء الخلق -كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «زمام من عذاب الله تعالى في أنف صاحبه» والعرب تقول: «أبى الله لسيئ الخلق التوبة، لأنه لا يخرج من ذنب إلا دخل في ذنب آخر لسوء

القيادة ثوب مستعار يرتديه اليوم (س) فيخعله ليرتديه غداً (ص)

خُلُقه» وقال بعض السلف: «حُسن الخلق يوجب المودة، وسوء الخلق يوجب المباعدة، وبسعة خلق المرء يطيب عيشه».
أما أنّ المنصب الإعلامي الكبير يغيّر الأخلاق، فهذا صحيح، والتجارب الماثلة تومئ إلى ذلك، ولكن أي صنف من القادة الإعلاميين غيّر المنصب أخلاقهم؟ هل هم كُرماء الأصول؟ أم من قل لُبّهم فازدادوا عُجبا بأنفسهم؟
مثل هذا النمط من قادة العمل الإعلامي في الوطن العربي جانبه الصواب، فلم يستفد ممن هو أعلمُ منه بل اتخذه عدواً، ولم ينظر في العواقب مع أنّ النظر فيها نجاة، لقد عادى العاقل، وصادق الجاهل، ولم يحذر من حكمة العاقل وجهل الجاهل، بالغ في مدح نفسه، ولم يتواضع مع أن التواضع يوجب الرفعة، والكبر يوجب المقت (البُغض والكراهية) وتوانى والتواني يوجب التضييع، واستهان بالآخرين والاستهانة بالآخرين توجب التباعد، ولم يستخدم حسن المعاشرة كي تدوم المحبة، ولم يخفض جانبه كي تأنس النفوس إليه، ولم يكن عادلاً في منطقه وعدل المنطق يوجب التجلة، ولم يحلم على السفيه فكثر أنصاره عليه، ولم يتودّد إلى من يحيطون به مع أنّ التودُّد يوجب المحبة، ولم يترك ما لا يعنيه كي يتم له الفضل.
وفي المقابل هناك نمط من القادة الإعلاميين في الوطن العربي، لم يبغ على إخوانه لأنه يوقن أنّ «البغي يصرع الرجال، ويقطع الآجال» ولم يجرح زملاءه بكلامه لأنه يعلم أن جرح الكلام أصعب من جرح الحُسام، ولم يعادِ إخوانه فلم يكثر خذلانه، استفاد من الصديق فحالفه التوفيق، لم يُسرع في الجواب فلم يخطئ في الصواب.
القيادة لا تغير أخلاق الآدميين من الإعلاميين، وهناك من القادة الإعلاميين العرب من هو صدوق في لسانه، عدل في دينه، مأمون في أخلاقه، بصيرٌ بأمور زملائه، كثير الرحمة لهم، رؤوف بهم، جيّد العقل، صحيح الفهم، نقيّ القلب.
القيادة الإعلامية ثوب مُستعار، يرتديه اليوم (س) فيخلعه ليرتديه غداً (ص) و«من لم يكن من دينه واعظ لم تنفعه المواعظ» و«كل يحصد ما زرع ويُجزى بما صنع».
فاكس: 014543856
badrkerrayem@hotmail.com