الوطنية لغة مأخوذة من الوطن، واصطلاحا أن يظل المرء مرتبطاً ومتأثراً بحب وطنه بكل السبل المتاحة، المادية منها والمعنوية، والوطنية أهم وازع اجتماعي يربط الفرد بالجماعة. وهي أهم عامل في عملية الصهر والذوبان الاجتماعي تجعل الفرد ينصهر في المجتمع وينتسب إليه ويعمل من أجل صالحه، ويفني ذاته في سبيله.
والوطنية رابطة سيكلوجية تعطي دفئاً وإحساسا مشتركا بالانتماء للوطن يتجاوز الإقليم والقبيلة والعائلة إلى الوطن والمجتمع ويمثل هذا الإحساس لا مجرد قناعة عقلية خالصة يمكن إثباتها ودعمها استنادا إلى أحداث أو وقائع تزكيها. إنها تمثل اعتقادا راسخا لا يمكن الشك فيه. فالوطنية حالة من حالات الوعي. هذا الوعي الوطني الذي يشد أفراد الوطن بعضهم إلى بعض ويجعل منهم كائنا واحدا تفنى فيه ذوات الأفراد. فالوطن إذن رابطة اجتماعية سيكلوجية، شعورية أو لا شعورية فقط، تربط جماعة ما قائمة على التعايش في وطن واحد يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد المجتمع.
ومن هذا فالوطنية حب الوطن والشعور بالارتباط الباطني نحوه، وكذلك القومية حب الأمة والشعور بالارتباط نحوها.
وقد أكد علماء الاجتماع السياسي على أهمية تأطير الشباب في الوطن الواحد وتنشئتهم وتثقيفهم على التربية الوطنية، مؤكدين أن الوطن يتكون من عنصرين: الجسم والروح، ومن هنا تأتي أهمية تعميق حب الوطن في نفوس الشبيبة، وتثقيفهم على حب الوطن و معرفته وخدمته

إن محبة الوطن تزداد وتكبر عند المواطن الصالح كلما زادت المخاطر

والإخلاص له والدفاع عنه.
و الوقت المناسب لتعليم الناس التربية الوطنية هو وقت الأزمات والكوارث التي تواجه الوطن، إذ إن الأخطار والنوازل التي تواجه الوطن تحدث نوعا من اليقظة والاستنفار، فيصبح كل المواطنين مهيئين نفسيا لإدراك ووعي أهمية الوطن، وهي اللحظة المناسبة لزرع فسيلة القيم الوطنية . تلك القيم المهمة، تتوجه مباشرة في مخاطبة مشاعر المواطن وقلبه وتحفز فيه الميول العاطفية الوثابة، فيصبح دور التربية الوطنية إلهاب وإشعال الأحاسيس والمشاعر لدى المواطن المنتمي للوطن لتعطيه القوة والحركة والحيوية لتحقيق المصالح العليا للوطن أو الدفاع عنها، فالوالدان لا يظهران حبهما لأبنائهما إلا عند ما يمرض أحدهم. كما أن المرء يهتز فرحاً إذا تحققت نجاحات لبلده وبالعكس يحزن ويكتئب من انتكاسات وإخفاقات وطنه في أي عامل من العوامل التي يتعرض لها الوطن، ويتمدد ميزان الوطنية أو جهاز قياس الوطنية من خلال درجة الإحساس الوطني للمواطن إذا كانت مرتفعة أو منخفضة، حيث يقع اضطراب لديه إذا واجه وطنه مشاكل وأخفق وفشل في مواجهتها بالعلاج.
وقد تكون الهبَّة التي هبتها مؤسسات الدولة على مستوى القيادة والأقلام المتخصصة والحضور الإعلامي من بيوت الخبرة المحلية حينما أصيب سوق الأسهم بكارثة تضرر منها كل المتعاملين في السوق كبيرهم وصغيرهم وبنوكهم وأفرادهم. دلالة على هذا الاستنتاج. وقبل ذلك مواجهة التطرف الفكري والمسلح وأحداث أخرى مشابهة.
من هنا يتضح أن محبة الوطن تزداد وتكبر عند المواطن الصالح والبار كلما ازدادت المخاطر. فالدولة من خلال مؤسساتها الرسمية والمدنية معنية بوضع الأرضية الصالحة لأصول وقاعدة ترسيخ وتنمية الوطنية.
وأهم شيء في حب الوطن هو العطاء والتضحية في سبيل الوطن من خلال الدفاع عنه والحفاظ على ترابه.
وأحسن مثال على ذلك شعب اليابان، فالشعب الياباني لم تظهر وطنيته الحقة إلا عندما داهمهم العدوان الأجنبي، فقد أظهروا نوعا فريدا من الوطنية في معركة ( مانجوري ) حيث أظهر الجيش ضباطاً وأفراداً نوعاً متميزاً من الفداء والتضحية بالنفس يندر أن يوجد له مثيل في التاريخ، وكان الشعب قد قدم كل ما يملك في سبيل تقوية وإعلاء الجيش والأساطيل اليابانية. والوطنية الإيمانية ( النموذج ) هي وطنية دولة النبوة في المدينة حيث آثر الأنصار المهاجرين على أنفسهم، وتقاسموا الثروة فيما بينهم وكان كل فرد من الصحابة يعتبر أن الرسول يحبه قبل الآخرين وذلك من عدله عليه الصلاة والسلام.
وما قام به اليابانيون من إظهار روح المواطنة العالية يعود أولاً إلى عدة أسباب: لعل أهمها وأخطرها، تحقيق العدالة الاجتماعية وإتاحة الفرص لكل القادرين من المواطنين، وتلقين ثقافة المواطنة التي تعتمد فكرة الوطن فكرة محورية تدور حولها الثقافة الوطنية، وحب الوطن هو جزء من الإيمان الذي هو عقيدة المواطن المسلم، «حب الوطن من الإيمان». والله الموفق.