الصحة هي مشكلة الإنسان الأزلية وهمه الكبير في أغلب فترات حياته، وهي هاجس كل الدول بغض النظر عن مستوى تقدمها. وعلى الرغم من تغلب العلم على عدد كبير من الأمراض المعدية والأوبئة الفتاكة ، إلا أنه ظهر عدد جديد منها لم يكن معروفا من قبل مثل الإيدز. وبدلا من الأمراض المعدية الحادة أصبحت البشرية تعاني أكثر من الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والشرايين والسرطان وحوادث السيارات. ومع التقدم الكبير في خفض معدل الوفيات بين الأطفال وازدياد العمر المتوقع للحياة أصبحت أمراض الشيخوخة هي الأكثر شيوعا في كثير من الدول. لا عجب إذا أن تجد الأنظمة الصحية في كافة دول العالم نفسها واقعة تحت ضغوط كبيرة لتتمشى مع هذه المتغيرات ولتلبي توقعات المواطنين المتزايدة لرعاية صحية أفضل . ومن أهم الأمور التي تحد من قدرة هذه الأنظمة على تقديم المستوى المطلوب من الرعاية الصحية النفقات الصحية الهائلة التي تتزايد باستمرار مع تزايد التقدم في وسائل التشخيص والعلاج بحيث أصبحت تشكل نسبة كبيرة من إجمالي الدخل القومي في كل الدول ، ولم تعد أية حكومة قادرة على تحمل هذه النفقات بدون مشاركة مواطنيها بطريقة أو بأخرى.
النظام الصحي في بلادنا شهد الكثير من التغيرات الهامة خلال السنوات الماضية. قبل خمسين سنة تقريبا كان الاعتماد شبه كامل على الدولة في تقديم خدمات صحية مجانية لجميع المواطنين والمقيمين . ثم أخذ القطاع الخاص يلعب دورا متزايدا في تقديم الخدمات الصحية حتى أصبح لدينا الآن حوالي 99 مستشفى خاصاً مقارنة بـ232 مستشفى حكومياً وكذلك 1046 مستوصفاً ومركزاً طبياً خاصاً وعدد كبير من العيادات الخاصة.
مع التسليم بصعوبة المقارنة بين أداء الأنظمة الصحية

المهم أن تكون هناك عدالة في تحمل التكاليف فلا تقع كلها على المريض

في الدول المختلفة إلا أن منظمة الصحة العالمية وضعت عدة معايير مكنتها من إجراء المقارنات وترتيب الدول حسب أداء الأنظمة الصحية فيها بصورة عامة. وكان ترتيب المملكة حسب مؤشرات العام 1997م ( تقرير المنظمة للعام 2000م) هو 61 من بين 191 دولة. أما الدول العشر الأُول فكانت اليابان وسويسرا والنرويج والسويد ولكسومبورج وفرنسا وكندا وهولندا وبريطانيا والنمسا على التوالي. تلا ذلك إيطاليا وأستراليا وبلجيكا وألمانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية.
تطوير النظام الصحي مطلب مستمر ، ولا شك أننا نشهد الآن نشاطا متزايدا من قبل وزارة الصحة لإعادة هيكلة النظام الصحي. وقبل ثلاث سنوات تقريبا صدر النظام الصحي الأخير الذي نص على إنشاء مجلس للخدمات الصحية يمثل كافة القطاعات الأساسية المقدمة للخدمات الصحية والمعنية بها، بما في ذلك القطاع الخاص. و نص النظام على إعداد استراتيجية للرعاية الصحية. كما أجاز النظام تحويل ملكية بعض المستشفيات الحكومية إلى القطاع الخاص عن طريق البيع أو التأجير أو تحويلها إلى شركة مساهمة أو مؤسسة تملكها الدولة وتدار بأسلوب القطاع الخاص. وخلال السنوات الماضية شهدنا نموا كبيرا في قطاع التأمين الصحي التعاوني ، بما في ذلك تطبيق التأمين على الوافدين العاملين في الشركات ، والتخطيط لتطبيقه لاحقا على المواطنين. كما شهدنا فتح عيادات خاصة في المستشفيات الحكومية والجامعية . كل هذا يدل على أننا نسير بخطى حثيثة نحو مزيد من التخصيص وإعطاء دور أكبر للتأمين الصحي. وفكرة التأمين الصحي هي أن المواطن يدفع اشتراكه بانتظام قبل وقوعه فريسة للمرض ، وهذا عكس النظام الذي تعودنا عليه في السابق حيث يدفع المريض تكاليف علاجه عند زيارته للقطاع الخاص حين مرضه.
وقد قامت وزارة الصحة بإجراء دراسة كبيرة للاستفادة من تجارب الدول المختلفة في تطوير أنظمتها الصحية ، كما قامت باستشارة عدد من أصحاب الخبرة من كافة القطاعات. كل هذا يبشر بأننا سوف نسير إن شاء الله على الطريق الصحيح وأننا لن ندخل في متاهات أثبتت فشلها في دول أخرى. لا يمنع ذلك أن نقع في بعض الأخطاء. المهم أن يتم الانتباه إلى هذه الأخطاء وتصحيحها بسرعة.
الصحة والمرض من عند الله ، ومن المهم أن تكون هناك عدالة في تحمل تكاليف المرض بحيث لا تقع كلها على المريض وحده ، وخاصة في الأمراض المكلفة مثل السرطان والجلطات الدماغية والإعاقات الدائمة. ومن المهم ألا يشكل الفقر أو سوء الأحوال المادية عاملا مهما في غياب الرعاية الصحية الضرورية والمناسبة. وإعادة هيكلة القطاع الصحي في بلادنا أمر ضروري ومرغوب فيه لنتمشى مع التطورات العالمية في هذا القطاع ولنتلافى العيوب التي لا بد من الاعتراف بوجودها في نظامنا الحالي. وهناك الكثير من المعايير التي يمكن تطبيقها لقياس مستوى الأداء في هذا المجال. ومن المهم أن تستعين وزارة الصحة بجهات مختصة لقياس هذه المعايير بدقة وباستمرار للاستنارة بها في تعديل مسار التصحيح ، وقياس مدى التقدم الحاصل. ومن المهم أن يكون مستوى أدائنا موازيا لما تنفقه الدولة على القطاع الصحي وما ينفقه المواطنون على هذا القطاع، وهي مبالغ كبيرة تؤهلنا لكي نحتل مركزا متقدما في ترتيب الأداء في المجال الصحي بين الأمم. ومن المهم كذلك أن ندرك أن تطبيق الأفكار الجديدة ، مثل الخصخصة والتأمين الصحي ، سوف يصاحبها بعض السلبيات التي يمكن تقليصها إلى حد كبير بوضع الضوابط الكافية . وحتى يتحقق ذلك ينبغي لنا الاستفادة من خبرة الأمم التي سبقتنا كثيرا في هذه المجالات.