نهضة اليابان.. الدروس والآفاق
ابتداء من السبعينات أخذت المواجهة بين كل من الولايات المتحدة وأوربا الغربية واليابان تأخذ طابعا أكثر حدة فيما يتعلق بالأسواق الداخلية لتلك المراكز او على نطاق السوق العالمية على حد سواء، وقد أخذت حدة التنافس بين المراكز الاقتصادية الكبرى بعدا جديدا مع انتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفيتي، ومع أن الولايات المتحدة خرجت منتصرة في الحرب الباردة وبدت باعتبارها القوة الوحيدة في العالم (عسكريا وسياسيا) إلا إن ذلك أدى بدوره إلى بروز وتقوية عوامل الاستقلال والندية لكل من أوربا واليابان، وفي ضوء هذه المواجهة المحتدمة بين المراكز الرأسمالية (نضيف إليها الصين البازغة كعملاق اقتصادي) والتي تستخدم فيها شتى الأسلحة والضغوط الاقتصادية والسياسية والإعلامية والنفسية والثقافية سيتحدد بدرجة كبيرة (في ظل غياب وتهميش الأطراف أو دول الجنوب) اتجاهات العولمة ومصير النظام العالمي «الجديد» ففي حين بلغ إجمالي الناتج القومي العالمي (في التسعينات) عشرين تريليون دولار ، بلغت حصة كل من الولايات المتحدة والمجموعة الأوربية خمسة تريليونات واليابان ثلاثة تريليونات وهذا يعادل ثلثي إجمالي الناتج القومي في العالم، لقد استمر الاقتصاد الياباني في التوسع منذ منتصف الخمسينات وحتى الستينات بمعدل سنوي يقارب 11% (نفس النسبة التي تنمو بها الصين حاليا) بالمقارنة بمعدل 4.4%لألمانيا و4.3% للولايات المتحدة وقد واكب الزيادة السريعة في إنفاق رؤوس الأموال إدخال التكنولوجيا الحديثة مما حسن قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية, غير أن هذه الديناميكية التي تميز بها الاقتصاد الياباني لم تكن من غير مشاكل فقد تحقق ذلك على

في ظل تنويع مجالات التعاون مع الدول الإسلامية علينا الاستفادة من عناصر قوتنا

حساب قطاع الزراعة والأعمال الصغيرة وارتفاع الأسعار والتضخم وتفاقم المديونية الحكومية، وتدني قطاع الخدمات الاجتماعية والإسكان وتلوث البيئة وازدحام المدن. وقد واجه الاقتصاد الياباني اكبر تحد على اثر ارتفاع أسعار النفط (73) وما ترتب على ذلك من آثار سلبية على مجمل الاقتصاد الياباني وأجبر الحكومة على وقف مشروع «بناءا ليابان الجديدة» وفرضت إجراءات تقشف صارمة للحد من التضخم وترشيد استخدام الطاقة وتطبيق التكنولوجيا المتقدمة وخفض قيمة الفوائد، ومع تعزز مواقع الرأسمال الاحتكاري بدأت الأوساط الحاكمة تسعى للتحرر من التبعية للولايات المتحدة وتطمح لأن تكون شريكة ومستقلة, ففي حين بلغت جملة التوظيف اليابانية في الخارج سنة 1967 مبلغ 4مليارات دولار فإن حصة الشركات اليابانية من الاستثمار المباشر عالميا ارتفع في عام 1989 ليصبح 137 مليار دولار وهو ما يعادل 10.7%من مجمل الاستثمار العالمي فيما بلغ نصيب الشركات الأجنبية التي تستثمر في اليابان 34.3 ملياردولار وطبقا لإحصائيات وزارة التجارة في الولايات المتحدة كانت فروع الشركات اليابانية تملك ما قيمته 195مليار دولار من الأصول في الولايات المتحدة في عام 1987 بينما بلغت أصول فروع الشركات الأمريكية في اليابان 106 مليارات دولار لنفس السنة وقد زاد عدد فروع الشركات اليابانية في الولايات المتحدة على ألفي مصنع في نهاية 1989وهذه المصانع تنتج ما يقارب 10% من صادرات الولايات المتحدة، وقد انحصرت الاستثمارات اليابانية في مناطق النمو الصناعي في العالم، فقد بلغت تلك الاستثمارات في أمريكا الشمالية نسبة 47%تليها أوربا بنسبة 38%ثم آسيا بنسبة 14% (علما بان الاستثمار الياباني في آسيا أخذ يتصاعد بانتظام) وعلى صعيد التجارة الخارجية احتلت اليابان المركز الرابع بين الدول المستوردة والمركز الثاني (بعد الولايات المتحدة) بين الدول المصدرة، وقد بلغ فائض الحساب الجاري لليابان 79 مليار دولار والفائض التجاري 95 مليار دولار في عام 1988. دخلت اليابان مرحلة الكساد والركود الاقتصادي (منذ التسعينات) الذي اخذ يخيم على المراكز الرأسمالية المتقدمة والذي أوصل اقتصادها إلى مرحلة الجمود مما جعلها تعيش أسوأ وضع اقتصادي في تاريخها الحديث، وجرى ذلك وسط اهتراء أسس النظام السياسي وتفاقم الفساد والرشوة والفضائح المالية والذي أدى في نهاية الأمر إلى الإطاحة بالحزب (الديمقراطي الحر) الذي حكم اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، غير انه استطاع استعادة نفوذه فيما بعد، وهكذا لم تستطع اليابان ان تنأى بنفسها عن المعضلات والأزمات الهيكلية التي ترزح تحت وطأتها الدول الغربية وأخذت هي الأخرى تعاني وتكابد إفرازات هذا النمط من النمو. أخيرا علينا أن نعي أن الصراع والتنافس الذي يدور بين مراكز النظام العالمي هو صراع من أجل تعزيز شروط المنافسة والنفوذ والربح والأسواق، ولا مجال فيه للمبادئ والعدالة والأخلاق إلا إذا توافق ذلك مع مصالحه. السعودية في تحركها (الصحيح)النشط نحو تنويع وتعدد مجالات التعاون مع الدول الآسيوية عليها الاستفادة من عناصر قوتها (النفط والمال)واستيعاب الخبرة والدروس المستخلصة من تلك التجارب في صياغة ورسم استراتيجيتها التنموية الشاملة والمعتمدة على تثمير وتعظيم مواردها وقدراتها الذاتية في المقام الأول والبحث عن مجالات جديدة للتعاون والتكامل الذي يخدم ويتقاطع مع مصالحها.