تتمة لما تكلمنا عنه في الحلقة السابقة سنتطرق إلى:
سوق الأسهم: فعقب أحداث 11 سبتمبر عاد معظم المال السعودي المهاجر للخارج ولم يستفد منه الاقتصاد الوطني صناعياً ولا إنتاجياً ولا خدماتياً كبناء سكك الحديد وشق الطرق وبناء المستشفيات والمرافق العامة والمؤسسات التعليمية الأكاديمية والمهنية والمساهمة في زيادة عدد المساكن، وقروض المشاريع الصغيرة، كما أن الروتين في أجهزة الخدمات جعل المستثمر الوطني يزهد في الاستثمارات الوطنية التي تحوجه إلى مراجعتها. فلم يكن أمام المال السعودي إلا سوق الأسهم المحلي والحسابات الجارية في البنوك التي لم تستثمرها إلا في القروض الشخصية والتقسيط التي تدر عوائد كثيرة للبنوك المحلية والأجنبية وتجفف جيوب ذوي الدخل المحدود.
فالسعوديون يستثمرون في كل أصقاع الدنيا وأعتقد أنهم يستثمرون في الخارج أكثر مما يستثمرون في الداخل الأقرب لهم دبي والأبعد البلدان الأجنبية. وهذه ظاهرة لابد من دراستها وتلافي مسبباتها فهناك عراقيل دفعتهم لاستثمار أموالهم خارج الحدود. وإذا استطاعت الإدارة السعودية القضاء على كافة العراقيل التي تواجههم وتذليل كافة السبل فلاشك أنه محبب إلى نفوسهم استثمار أموالهم تحت أنظارهم وفي أرضهم وبين أيديهم وهذه العراقيل والصعوبات التي تواجه الاستثمار المحلي تختلف حتى من منطقة إلى منطقة أخرى فبعض مناطق المملكة يهاجر رأس المال المحلي منها إلى مدينة سعودية أخرى داخل المملكة هروباً من التعقيد الإداري وعسر الحصول على التراخيص في السهولة المطلوبة والمواجهة المستمرة مع الأجهزة الرقابية وأجهزة تسيير الخدمات في تلك المنطقة. إن المال يبحث عن منطقة أخرى أقل متاعب من المنطقة التي كان موجوداً فيها.
إن حجم سوق الأسهم الذي يصل إلى 300 مليار أو يزيد هو رقم واعد يتطلب ويضمن نجاح سوق الأوراق المالية وكافة طلبات النمو والمأمول من سوق الأوراق المالية تطوير البيئة الاستثمارية لفتح مجالات استثمارية مأمونة وتوفير السيولة لصغار المساهمين.
المعلومات والمعلوماتية:
لابد من تحديث نظم المعلومات من خلال الاستفادة من نظام المعلومات والمعلوماتية والاعتماد على البيانات الرسمية والمعلومات من مصادرها الأصلية والاستناد إليها في صياغة التوجهات واتخاذ القرارات في كل دواوين الدولة ومؤسساتها والقطاع الخاص. وجعلها متاحة للمتابعين والباحثين ونؤكد على أهمية التعامل مع تقنية المعلومات الحديثة ومراجعتها دورياً لسرعة تحديث هذه التقنية.. ولابد من جمع المعلومات بالآلية التقنية وتدوينها والتأكد من

المملكة غنية بالسيولة المالية وبالثروات الطبيعية والسياحة الدينية

دقتها وصحتها ونزاهة مصدرها ثم تداولها. ولابد من نشرها بوضوح ومصداقية (شفافية) ولابد أن تكون هناك مؤسسات معلوماتية يعول عليها غير حكومية. إن الارتجالية في اتخاذ القرارات دون الاعتماد على معلومات كافية ومن أكثر من جهة موثوقة يؤدي إلى فشل المشاريع الاقتصادية ولسنا معذورين بعدم الاعتماد على ذلك ليسر الحصول على المعلومة وسهولتها. ولا أدري كم عدد الخريجين في مجال المعلومات من الجامعات والمعاهد الوطنية. كما أن القرارات الفوقية وعدم إشراك من سيقع عليهم عبء تنفيذ هذه القرارات وعدم الاستفادة من بيوت الخبرة المحلية والأجنبية حماقة إدارية تواجهها السياسة باستمرار.
إن المملكة دولة غنية بالسيولة المالية وبالثروات الطبيعية والسياحة الدينية والآثار والزراعة النوعية في بعض المناطق فهناك مناطق واعدة بالزراعة وتربية المواشي والثروة السمكية.
كما هي قليلة السكان بالنسبة للمساحة وكلها مجالات واعدة وليس هناك سبب طبيعي أو معقول أن يكون في المملكة بطالة أو فقر. سوى الحاجة لمزيد من التخطيط.
ومن هذه المقدمة تصل قناعتي إلى أنه بات من الضروري مراجعة آليات الاقتصاد الوطني وعراقيله البيروقراطية ووضع الإصبع على مسببات تواضع أدائه وتمكينه من الانعتاق من كل ما يعيق طموحه من بعيد أو من قريب مستفيدين من التجارب الناجحة في الدول الآسيوية وغيرها.
ولعلنا نسهم في جهد المقل بالتوصيات التالية:
1- على هيئة سوق المال الاستعانة اليومية في بيوت الخبرة العالمية وتكوين مجلس من المضاربين بما فيهم صناديق البنوك والأجهزة الاقتصادية الرسمية وهيئة سوق المال لمتابعة المشاكل اليومية ومحاولة علاجها آنياً. ووجود محكمة مالية مستقلة.
2- حصر الفتاوى الشرعية في الاقتصاد عموماً في لجنة شرعية واقتصادية مركزية آخذين فقه الضرورات في عين الاعتبار، وعدم تقييد قنوات الاقتصاد إلا بما هو معلوم من الدين بالضرورة.
3- من الأجدر أن تتبنى السياسة الاقتصادية في المملكة استراتيجية اقتصادية تأخذ في أبعادها عدة قنوات اقتصادية متوازية تسير جنباً إلى جنب مع بعضها البعض يكون أحد هذه القنوات التخصيص لشركات مختارة رابحة. وكل مؤسسة تنشأ جديدة تنشأ على أسس تجارية ضمن هيكلة القطاع الخاص حتى وإن كانت الدولة أحد المساهمين كالسكك الحديدية وخطوط النقل الجوي وغيرها. وأن تترك المؤسسات العامة تموت موتاً بطيئاً. والقناة الثانية حرية الاستثمار الأجنبي وفق متقضيات المصلحة الوطنية والتصدي بحزم لكل ما يعيقه مع بناء الضوابط التي تحقق المصلحة الأخيرة للوطن وهذا ما يتفق مع مبادئ التجارة الدولية.
4- تقييم الشركات المراد نزولها للسوق تقييماً عادلاً ونزيهاً مراعاة لحقوق المساهمين الجدد وذمم الملاك الأصليين.
5- وضع المرتكزات الأساسية لاستراتيجية شاملة للمعلومات تستجيب لأولويات المشروع الاقتصادي بشكل خاص. ولأولويات التنمية الوطنية بشكل عام بما يتوافق مع الرؤية المستقبلية لحاضر التنمية ومستقبلها.
6- تعزيز الاقتصاد الوطني الذي يساعد على انخفاض البطالة بنسبة قدرة الاقتصاد الوطني النوعية والكمية والانتشار على قدر مساحة الوطن. حيث يشمل المحافظات والمراكز. مما يزيد القدرة الاستيعابية للاقتصاد الوطني.
7- بناء قاعدة معلوماتية كفؤة ومتخصصة تمد متخذي القرارات الاستثمارية والاقتصادية والمستثمرين بمعلومات حديثة وصحيحة وشفافة.
8- العمل على توطين مراكز أو دور متخصصة بالخبرة من أجل متابعة كل ما يحدث بالعالم من تجارب في هذا الشأن ودرستها وتقييمها وانتقاء الملائم منها. وإعداد البحوث والدراسات في هذا المجال.
9- حماية الاقتصاد الوطني من كل معوقات البيروقراطية وكل ما يعيق انطلاقته بقوة.
10- إنشاء نظام سلطة قضائية تجارية حديثة متخصصة ذات قدرة على سرعة الفصل في الخصومات التجارية والمالية وبمدة محدودة. تساعدها جهة فنية متخصصة بنظم المعلومات والاتصالات والنوافذ على المواقع المتخصصة. وسلطة قادرة على متابعة تنفيذ الحكم بوقت قياسي. ترفدها مراقبة صارمة ونزيهة.
11- توجيه فائض السيولة للمنشآت المتوسطة والصغيرة والأسر المنتجة ومساعدة الشباب وذوي الاحتياجات الخاصة على الاعتماد على أنفسهم من خلال المشاريع الخاصة.
12- توضيح وشرح بنود الميزانية العامة للدولة عند الإفصاح عن الخطط المستقبلية لمدة خمس سنوات قادمة، ليكون المستثمر الوطني على علم لترتيب أولوياته والتخطيط للاستفادة من الفرص الاستثمارية بوقت كافٍ.
13- حماية الاستثمارات والمشاريع التنموية من المصالح الخاصة مهما كانت. وأن تقام المشاريع التنموية سواء القطاع الخاص أو العام على أراضي حكومية أو مجانية.
14- تعلن الاستثمارات المستقبلية بوقت كافٍ ويترك لبيوت الخبرة والميديا الوطنية والإقليمية والعالمية مناقشتها ثم العكوف على ردود الأفعال ودراستها واستخلاص النتائج.
وهذا ما يتطلبه جذب واستقطاب الاستثمارات الأجنبية كما أن منظمة التجارة العالمية تطلب من طالبي العضوية مثل ذلك الوضوح والشفافية. وفي الواقع أنه كثيراً ما تعلن الموازنة للدولة إلا أن الصرف لا يظهر إلا في نهاية العام أو في منتصفه.
إن الوفاء بهذه الاحتياجات يتطلب نظاماً اقتصادياً ذا دافع ذاتي.. والله الموفق.
ibensunitan@hotmail.com