نعم لقد أحسنت إلى نفسك ثم إلى أهلك ثم لمواطنيك ثم لإخوانك المسلمين في طول الأرض وعرضها. بل إلى البشرية عندما سعيت إلى إيجاد وسيلة فعالة تمكن من علاج مشكلة يعاني منها الكثير، ومن الممكن أن يتعرض لها أي إنسان ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أم كبيراً.
لقد أحسنت عندما أحسست بشعور هذه أو ذاك عندما يبتلى بمرض يقع في موقع حساس من الجسم، نبع حساسيته من موقعه من الجسم، وكذلك لاحتياج المخلوقات كلها لاستخدامه كما هو الحال في احتياج ما يقابله في أعلى الجسم. ولعل هذه المقارنة توضح مكان استخدام هذا الاختراع الذي أتحفنا به زميلنا الأستاذ الدكتور محسن آل تميم استشاري الجراحة بمستشفى الملك خالد الجامعي التابع لجامعة الملك سعود.
لقد فاز اختراع الدكتور محسن بالميدالية الذهبية التي تعد أعلى الجوائز. ولاشك أن تكريم هذا العالم المخترع من قبل هيئة عالمية متخصصة هي المكتب الأمريكي لبراءة الاختراعات له أهميته، والاختراع الذي فاز بالجائزة الذهبية عبارة عن جهاز دقيق متطور يستخدم لاستئصال الناسور الشرجي الذي إذا أصيب به الفرد أصبح يعاني الكثير، ويتعرض لمواقف محرجة تجعل الآلام النفسية المصاحبة أشد

لم ينتظر غيره ليخترع ولم ينتظر البيروقراطية لتعطيه الضوء الأخضر

إيلاماً من الآلام العضوية.
والذي يهمني هنا هو أن الأستاذ الدكتور محسن آل تميم الذي هو من أوائل الخريجين من كلية الطب بجامعة الملك سعود لم يكتف باستخدام الوسائل التقليدية السائدة ولم يجلس لينتظر غيره لكي يخترع له، بل لم ينتظر البيروقراطية أن تعطيه الضوء الأخضر لكي يسعى إلى مثل هذا الاختراع، إذ استفاد من علمه وخبرته مما جعله يصبح من الرواد في هذا المجال، وإذا كان هذا الاختراع سوف يبرز هذا العالم المتواضع في قوائم المتفوقين فإن ذلك (مع أهميته) لا يرقى إلى الأجر العظيم الذي سوف يناله الدكتور محسن من ربه عملاً بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (الدال على الخير كفاعله) ذلك أن استخدام هذه الآلة من قبل الأطباء الآخرين سوف ينال محسن منه نصيباً متى ما استخدم وأينما استخدم، وهذا في ظني لم يغب عن بال الزميل محسن عندما سعى إلى اختراعه المشرف، فالزميل محسن معتدل في علمه وعمله، وملتزم باعتدال كذلك، وهذه صفات من شأنها أن تعطي من اتصف بها قدراً كبيراً من الحكم الصائب غير المتسرع مما يؤدي إلى الاتقان.
دكتور محسن يتكلم بهدوء ويجادل بأسلوب منطقي تحليلي من غير تعقيد ولا تقعر مما جعله محبوباً من قبل زملائه الأطباء، ومرضاه، ولقد ميزت الأطباء بالذكر لأن الموضوع اختراع طبي، وإلا فإن محسناً يجادل زملاءه في مجلس الشورى بأسلوب ليس فيه إفراط ولا تفريط، وأعني بذلك أن الهدوء والاعتدال والمثابرة صفات للدكتور محسن في كل تصرفاته الظاهرة أما الباطنة فلا يعلمها إلا الله.
أعلم أن محسناً لا يحب المدح بل إن وجهه يظهر عليه الخجل عندما يسمع كلمة إطراء. لكن ما أردته هو أن أظهر اعتزازي بما فعله، وتقديري للنتيجة التي وصل إليها المحكمون الذين ليس من بينهم من يمكن أن يتهم بالانحياز له لسبب من الأسباب. فالانجاز بشري ونحن بشر، والانجاز عربي، ونحن عرب والانجاز سعودي وهذا ما يرفع رؤوسنا.
والذي أود أن أختم به هذه المقالة هو أن يكون لدينا جهة لديها القدرة على الحكم الصائب على إنتاج علمائنا وبوقت قصير نسبياً لا يحبط المخترع ولا يخل بالحكم الصائب على العمل والإبداع، فذلك ما نريده حتى نشجع على البحث والاختراع.
ومرة أخيرة مبروك لأخي محسن وزملائه الذين فازوا بجوائز أخرى لا تحضرني أسماؤهم الآن.. ولعلي أتناول جهدهم في مقال آخر إن شاء الله.