إنشاء جامعة جديدة في أي موقع من بلادنا الغالية أمر في غاية الأهمية ومدعاة للبهجة والارتياح، خاصة إذا كانت أسس إنشاء هذه الجامعة صحيحة وقوية. فعلى الرغم من كل ما عمل في مجال التعليم العالي، لم تواكب إنجازاتنا في الفترة القريبة الماضية حاجتنا الفعلية من الجامعات والمعاهد العليا. يتمثل ذلك في آلاف الطلاب السعوديين الذين يسافرون إلى الدول المجاورة والبعيدة للالتحاق بجامعات أو كليات تلبي طموحاتهم في إكمال تعليمهم و التأهل في مجال مناسب يعينهم على تأمين لقمة العيش. معدل الزيادة السكانية السريع في الأعوام الماضية فاق بكثير تقديراتنا واستعداداتنا. والقطاع الأهلي، رغم مشاركات محدودة في مجال التعليم العالي في الماضي، آثر أن يلقي بثقل الموضوع كله على كاهل الدولة ولم ينتبه إلا مؤخرا، أن مشاركته لا مفر منها، رغم كل ما بذلته الدولة، رعاها الله، لأن قطاع التعليم العالي، مثل قطاعي التعليم العام و الصحة، هو من الضخامة بحيث لا يمكن تغطية احتياجاته في أي بلد إلا بالمشاركة والتعاون الوثيقين بين القطاعين الحكومي والأهلي. ولكن مشاركة القطاع الأهلي في مجال كبير مثل إنشاء جامعة تحتاج إلى بلورة وتنظيم لكي تكون مثمرة وفاعلة وعلى المستوى المطلوب.
إنشاء جامعة أهلية يتطلب استثمارا كبيرا لا تتحمله جهة واحدة أو جهات قليلة في القطاع الخاص، ويتطلب تضحية لإنجاز عمل كبير ليس همه في المقام الأول تحقيق الربح المادي الذي عادة ما يشكل المحرك الأساس في هذا القطاع. ويتطلب، مع كل ما يبذله القطاع الخاص، مساندة حكومية، مادية ومعنوية، لا يمكن الاستغناء عنها لمنحه الخبرة اللازمة وتذليل كافة العقبات المالية

وضع هذه الجامعة يمنحها المرونة اللازمة لانطلاقة كبيرة

والإدارية والنظامية التي قد تواجه المشروع.
تحقيق كل هذا، لا شك، ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى شخصية قيادية بارزة تستطيع أن تستقطب إمكانيات القطاعين الحكومي والأهلي، شخصية تتبنى المشروع وتدعمه بما تملك من مال وسلطة وتأثير تنبع كلها من القناعة بأهمية المشروع وضرورته. وقد توفر كل ذلك لمشروع جامعة الأمير محمد بن فهد الأهلية، بفضل الله أولا، ثم بعزيمة سمو أمير الشرقية الذي تحمل هذه الجامعة اسمه.
الأمير محمد بن فهد هو ابن رائد التعليم في بلادنا الملك فهد بن عبد العزيز طيب الله ثراه، فلا غرابة في تشجيعه الكبير للتعليم ، ولا أدل على ذلك من جائزته السنوية المعروفة لتكريم المتفوقين. وقد شهدت المنطقة الشرقية خلال فترة إمارته تطورا هائلا في كافة المجالات التي من أهمها التعليم. هذه المنطقة تحتضن الآن جامعتين حكوميتين من أكبر الجامعات في بلادنا ،هما جامعة الملك فيصل، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ومع ذلك لا زالت المنطقة، مثلها مثل بقية المناطق الأخرى، تحتاج إلى المزيد من الجامعات والمعاهد العليا. دول الخليج المجاورة تعيش حاليا طفرة عمرانية تشمل بناء الجامعات الخاصة المتميزة التي بدأت تستقطب الطلاب من كافة أنحاء الشرق الأوسط. وهذا شيء جيد، ومع ذلك فلن يلبي إلا احتياجات شريحة صغيرة من الطلاب السعوديين الذين يملكون الإمكانيات للالتحاق بهذه الجامعات الخليجية أو غيرها من الجامعات في بلدان أخرى. ولذا فإن الحاجة تبقى كبيرة لجامعات أهلية سعودية متميزة.
الخطوات التي خطتها جامعة الأمير محمد بن فهد الأهلية حتى الآن تبشر بمولد جامعة مرموقة إن شاء الله، فقد تم تخصيص موقع متميز للجامعة بالقرب من أكبر مدن المنطقة، كما تم استقطاب عدد كبير من رجالات الأعمال الذين تبرعوا بحوالى 166 مليون ريال، وقد تم استقطاب مؤسسة معمارية مشهورة لتصميم الحرم الجامعي ابتداء بكليات الهندسة والعلوم الإدارية وتقنية المعلومات للطلاب وكليات العلوم الإدارية وتقنية المعلومات والتصميم الداخلي للطالبات، كما تم الاتفاق مع هيئة تكساس العالمية التي تمثل تجمعا من 32 جامعة أمريكية لتقديم الاستشارات اللازمة في تصميم الكليات ووضع البرامج التعليمية. وقد صممت الجامعة بطاقة استيعابية تبلغ 3000طالب و2500 طالبة سوف تبدأ الدفعة الأولى منهم في الدراسة مع بداية العام الدراسي القادم إن شاء الله. وتهدف البرامج المقترحة إلى تنمية مهارات الطالب في التفكير النقدي والإبداعي ومهارة الاتصال واستخدام تقنية المعلومات والعمل الجماعي والقيادي بالإضافة إلى بناء القدرات المهنية في التخصص. وضع هذه الجامعة، كجامعة أهلية، يمنحها المرونة اللازمة لانطلاقة كبيرة لا تتوفر لكثير من الجامعات المكبلة بالأعباء بسبب كثرة عدد الطلاب وقلة الإمكانيات، وستشكل هذه الجامعة إن شاء الله مع زميلاتها مثل جامعة الأمير سلطان في الرياض وبعض الجامعات الأهلية الجديدة في جدة والرياض وغيرهما جيلا جديدا من الجامعات التي نأمل أن تدفع بنوعية التعليم العالي في بلادنا إلى آفاق جديدة.
كزميل قديم لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد خلال سنوات الدراسة الجامعية الجميلة، وكمحب لكل ما له علاقة بالتعليم والجامعات أتقدم له بخالص التهنئة على هذه الخطوة الكبيرة الموفقة التي قام بها كما أهنئ كل من شارك معه في هذا المجهود الضخم، وأتمنى أن نرى قريبا اليوم الذي تكتمل فيه منشآت وبرامج هذه الجامعة الفتية وتصبح منارة يشار إليها بالبنان للعلم والمعرفة.