تسعى لجان وجمعيات ومنظمات حماية الأسرة في الوطن العربي، والتابعة لجهات خاصة وأهلية أو لجهات رسمية كوزارات الداخلية متمثلة في الشرطة ووزارات الشؤون الاجتماعية، إلى تفعيل أدوارها ومهماتها في حماية الأسرة وأفرادها من حوادث العنف الأسري، فتشكلت أجهزة مختصة بأمن الأسرة، وأقيمت بيوت لاستقبال ضحايا العنف الأسري، وأعدت خططاً -في بعض الدول العربية- لتدريب المختصين على كيفية التعامل مع هذه القضايا من الشرطة والاجتماعيين والنفسيين... إلخ.
ولكن تفتقر تلك الخطط والمساعي إلى التفكير الجاد والعمل الفعلي على وضع رؤية وآليات للأمن الوقائي للأسرة، وهو موضوع يسبق الحماية والمعالجة، لأنه يؤسس ويبني الفرد -وهو المكون الأول للأسرة- على تجنب العنف لغة وفعلاً سواء في محيطه الخاص «الأسرة»، أو في محيطه العام «المجتمع»، وبالتالي يستهدف «الأمن الوقائي للأسرة» الوصول إلى ما يتطلبه وتبتغيه الكثير من الجمعيات الحقوقية والإنسانية وهو «البيت الآمن» الذي بتحققه قد يصل الجميع

زيادة معدل العنف الجنائي يعني بالضرورة زيادة معدل العنف الأسري

إلى الحالة المثالية وهي «المجتمع الآمن».
أما بيوت الحماية فهي جيدة وضرورية في مرحلة المعالجة، ودورها لا يتجاوز حدود «الأسرة البديلة» Foster Family أو الحاضنة كما يسميها علماء الاجتماع، وهي وسيلة لعلاج المشاكل الاجتماعية الناشئة عن تفكك الأسرة، وبخاصة الأطفال، بينما «الأمن الوقائي للأسرة» يجعل الفرد مستقراً وصحيحاً نفسياً واجتماعياً، لأن الشخص «غير الآمن» يغمره شعور بالقلق وعدم الطمأنينة والتهديد والخوف وينزع إلى السلوك الانسحابي وتعوزه القدرة على إقامة علاقات ناضجة بالغير لقلة ثقته بنفسه وبالآخرين.. مما يجعل إمكانية انعكاس حالته سلباً على جميع من يتعامل معه من الأقرباء أو الغرباء.
هناك علاقة تربط بين العنف الجنائي والعنف الأسري، فزيادة معدل العنف في أحدهما يعني بالضرورة زيادته في الآخر. كلما زادت فعالية الأمن الوقائي للأسرة تقلصت مستويات العنف الجنائي والأسري. ويمكن للمرء أن يلاحظ صورة من تلك العلاقة من خلال بعض الأرقام، في نيويورك مثلا، 90% من الأحداث المحتجزين عقوبة على ارتكابهم جريمة قتل!! لماذا؟ لأنهم قتلوا الرجل الذي كان يعتدي على أمهم! و65% من المراهقات الحوامل هن ضحايا الاعتداء الجنسي! من قبل من؟ المحارم! ويزيد احتمال إيقاف الأطفال كأحداث بنسبة 53% عندما يتعرضون للاعتداء أو الإهمال..!
لذا ينبغي السعي نحو معالجة اتساع العنف الجنائي بالحد من تزايده أو إيقافه عند مستوياته القائمة، لأن ذلك مقدمة مهمة لتقليل العنف الأسري، ومن ثم يمكننا توقع نجاح خطط الأمن الوقائي الأسري إذا قمنا بوضعها وتفعيلها. وتحقق ذلك يتطلب إعادة النظر في المنظومة الشاملة للأمن الفردي والجماعي والأمن العام، لأن خلف كل مفردة منها مجموعة من المكونات المؤثرة بشكل مباشر في اتساع رقعة العنف الجنائي والأسري مما يقلل من فرص نجاح مشروع «الأمن الوقائي للأسرة».
ولكن ما هو الأمن الوقائي للأسرة؟ هذا ما سنتطرق إليه في مقالة الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.
فاكس: 8330138-03 ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@mailcity.com