يبدو أننا قد تورطنا... ووضعتنا الظروف أمام مواجهة خيارات قال عنها الشاعر البردوني «أصعب الاختيارات إما وإما»... لقد أخرجنا المارد من القمقم، وانتهى الأمر، فهل يتحمل الرواد وحدهم تبعات ما يجري أم أننا شركاء معهم أيضاً؟
حين دعا أحمد السباعي و العواد وسواهما من الرعيل المستنير إلى تعليم المرأة، فإن الثقافة المحافظة في الحجاز ردت على الدعوة بطريقة حضارية بكتاب الشيخ أحمد محمد جمال «مكانك تحمدي»، أما الجهيمان الذي دعا في القصيم إلى تعليم المرأة ،فقد تلقى عقاباً بالإيقاف، ولو أن الدكتور آل زلفة كان مجايلاً للرواد حين سعى إلى إقرار حق المرأة في قيادة السيارة لتعرض لعقاب اشد من ذلك.
تلك نسبية في ردود الفعل إزاء النوازل والمستجدات، تعود إلى هيمنة الثقافة السائدة بمكوناتها المختلفة على الفضاء الاجتماعي والسياسي، ولو لم يتدخل صاحب القرار السياسي في خطوة جريئة ومستحقة قام بها الملك فيصل رحمه الله في بداية الستينات الميلادية، لكان نصف مجتمعنا ما زال أمياً، ونصفه الآخر معطوباًً ونصف أمي أيضا!!
وحين نتأمل قطاعات مهمة من حياتنا اليوم، فإننا نشهد ثمار تلك المطالب المبكرة بتعليم المرأة، وقد تجلّت في الحضور اللافت للمرأة ،أما إذا حصرنا زاوية الرؤية على المشهد الثقافي، فإنها قد حققت خلاله مزاحمة واضحة للرجل، بل إنها قد خطت من مرحلة المشاركة إلى مرحلة التميز، والجرأة على كشف المستور وتعريته.
استعدت هذه الخلفية وأنا أقرأ رواية الدكتورة بدرية البشر الموسومة بـ« هند والعسكر»، فرأيت أن هذا العنوان وحده كافياً للكشف عن طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة، التي جسدتها الرواية من خلال تدوينها لعذابات النساء خلال ثلاثة أجيال.وعبر ذلك الزمن الطويل، فإن المرأة لا ترى في الرجل، مهما كانت وظيفته أو موقعه العائلي أو الاجتماعي، إلا حارسا ومحققاً وطارداً وسجاناً للمرأة في ثوب عسكري.

إنها مجرد نصوص في خطاب طويل تكتبه المرأة في الفن والأدب

وقد توقفت طويلاً أمام أهم البؤر الحكائية الناظمة لذلك النص المتميز، وملت إلى التركيز على ثلاث منها، وهي:
أولاً) الانتهاك الجسدي، ما يخلفه من تدمير نفسي للمرأة، حيث تعرضت «عمشة» –المملوكة كـ«عبده» لإحدى الأسر- وهي طفلة لعملية اغتصاب وشمت روحها بجروح غائرة، حتى أصبحت لا ترفع غطاء وجهها أمام الأطفال، ولا في مطبخها، بل ولا ترفعه حتى وقت منامها. ويوازي هذا الفعل الانتهاكي، دخول الزوج بزوجته قبل البلوغ، فادى ذلك إلى عزوفها عن الكلام، وتشبعها بمشاعر الحقد ضد الزوج والأبناء وخاصة البنات.
ثانياً: آلية الاسترقاق، حيث تنطبع الكثير من ممارسات الرجل وعلاقاته بالمرأة بطابع نظرة السيد للعبد، وقد التقطت الكاتبة بذكاء قرار إلغاء الرق الذي طبقته المملكة، فوظّّفت حلماً رأته بطلة الرواية لتكثيف الدلالة، حيث رأت أنها مسجونة برفقة مجموعة من النساء الإفريقيات، وقد نودي عليهن للخروج من السجن واحدة بعد أخرى، إلا هي حيث قال لها الحارس» –اسمك ليس مكتوباً في القائمة، فقالت:
إذن لا أمل لي أبدا في الخروج من هنا000 النساء الأفريقيات ذهبن للحرية، فيما بقيت أنا هنا، لا يعلم أحد بوجودي، ولا يأتي أحد لإنقاذي».
أما النقطة الأخيرة، فهي ما غيّبه النص، حيث ركّز النص على استخدام الرجل مكونات الثقافة الذكورية كأداة للهيمنة على المرأة، وهذا صحيح في جانب من القضية، ولكنه غير صحيح من الجانب الآخر، إذ أن الرجل –أباً أو زوجا أو أخاً – هو ضحية أيضاً لهذه الثقافة، ولا يملك إلا الانصياع لسلطة ثقافة الجماعة المكرسة في العمل أو الحي أو المحيط القرابي.
وإذا كانت بنية الرواية قد تضمنت خطاباً هجائياً لتلك السلطة الذكورية، فإن الهجاء كان يجب أن يذهب إلى تفكيك بنية الثقافة الاجتماعية التي لم تستعبد المرأة وحسب، بل جعلت من الرجل ضحية مزدوجة، حيث إنه وإن اختلف مع منطق تلك الثقافة، إلا أن سلطتها عليه أولاً قد قمعت قناعاته، بل وجعلت منه جلاداً رغم نفسه!
إن مكوناتنا الثقافية بحاجة إلى إعادة قراءة «ابستمولوجية» تقف عند المكونات الأساسية لهذه الثقافة،وخاصة ما يتعلق بالموقف من المرأة،ككائن إنساني مكافئ للرجل، وعلينا كشط الطبقات الكثيفة التي حددت موقفنا من المرأة، سواء جاءت كحامل اجتماعي للعادات والتقاليد الأشد محافظة، أم جاءت نتيجة لقراءات وتأويلات فقهية بشرية أنتجتها عصور مختلفة، ومستويات ثقافية وحضارية مغايرة لواقعنا اليوم.
إن رواية «هند والعسكر»، و«بنات الرياض»، وغيرهما من الأعمال، ليست إلا مجرد نص واحد في خطاب طويل تكتبه المرأة في الفن والأدب والإبداع والعطاء الفكري في بلادنا، وتترافع من خلاله للتعبير عن حقها في الوجود وعن قدرتها على التميز والمشاركة في كل الحقول . وعلى الرغم مما ينطوي عليه هذا الخطاب من أحزان إنسانية شديدة الصدق والقسوة إلا أنها بإنتاجه قد مضت طويلاً على طريق البحث عن أفق للأمل. ولكن المشكلة التي تواجه المجتمع الذكوري تكمن في أن المرأة وقد وجدت مهنّد الكتابة بين أناملها، فإنها لن تتراجع بل ستمضي في تعريتنا وفضحنا أمام ذواتنا وأمام العالم. وإذا أردنا الخروج من المأزق الذي وجدنا أنفسنا فيه، فليس أمامنا إلا الإصغاء الجاد لهذا الخطاب، وإعادة قراءة ثقافتنا بطريقة جديدة ،نتحرر بها من هيمنته كرجال، ونتخفف به من تبعات خطاب الهجاء الماكر الذي تشهره أخواتنا وبناتنا في وجوهنا.
لقد عرف أجدادنا اللعبة مبكراً، فقال أشجعهم «ما للنساء وللقراءة والكتابة؟» أما نحن وقد طالب روادنا بتعليم المرأة كممارسة نقدية لسطوة الثقافة المهيمنة، وقمنا بعدهم بالكتابة مستعيرين أسماء نسائية رمزية لتعويض غياب المرأة، ولتشجيعها على الكتابة والإسهام في الحياة الثقافية، فإننا لا نستطيع التواري من المعركة، وليس لنا وللمرأة إلا دفع عربة الحياة –يداً بيد- للاستحواذ على المزيد من فضاءات النقد والحرية والمساواة.
alidumaini@yahoo.com