بعد مضي ثلاث سنوات على إعلان الرئيس بوش بأن «المهمة أُنجزت» في العراق، تبدو هذه الحرب الغريبة والمثيرة للقلق، تزداد اليوم غرابة، وإثارة للمخاوف. وهي غريبة لأنها انطلقت منذ بدايتها، بدون أي فهم من جانبنا للبلد الذي قرّرنا اجتياحه، وبدون أية خطة استراتيجية، ولأنها، حتى اليوم، لم تخضع لأية عملية محاسبة، أو حتى للاعتراف بالخطأ أو بالفشل. وهي مثيرة للقلق، لأن نتائجها القاتلة والمميتة، تزداد ضخامة، وتصبح أشد خطورة، مع مرور كل يوم.
ولعل التناقض الذي برز إلى العلن بين اثنين من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، قد سلّط مزيداً من الأضواء على تداعيات هذه الحرب. ففي محاولة منها لتخفيف حدة الاحتجاجات المناوئة للحرب، والتي قابلتها في بريطانيا، اعترفت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بأن الإدارة اقترفت «أخطاء تكتيكية، وعددها يتجاوز الآلاف» في العراق. وفي وقت لاحق، أشارت «رايس» إلى أن «أصحاب العقول الميتة» فقط، لا يقرّون بارتكاب الأخطاء، ويعملون على تصحيحها. لكن وزير

الإدارة الأمريكية تنكر الحقائق خوفاً من المقارنة مع فيتنام

الدفاع دونالد رامسفيلد، تساءل، بعد أيام، عن معنى ملاحظات رايس تلك، قائلاً: «أنا لا أعرف عمّا كانت تتحدث.. وذهب إلى أبعد من ذلك قائلاً «إن الذين يلمّحون إلى ارتكاب أخطاء ينقصهم الإدراك لما تعنيه الأعمال العسكرية والحربية».
وفي هذا الصدد، يؤكّد «جورج بيكر» مؤلف كتاب «بوابة القاتل: أمريكي في العراق» أن رايس ورامسفيلد كلاهما على خطأ، وأن خطأ رامسفيلد أشد فداحة. فالأخطاء التكتيكية لهذه الحرب، عديدة، لكنها جميعها، تنطلق من «الخطيئة الأصلية» للحرب، أي أنها ارتكزت على رؤية أيديولوجية غامضة، وليس على أسس ثابتة وحقيقية.
ولقد دأبت أنا، على الإشارة، مرات عدة،. إلى «الفانتازيا الطفولية» التي كانت دليل مهندسي هذه الحرب، أي «فانتازيا» الصدمة والرعب، و«النزهة» و«الورود التي تُنثر في الشوارع» و«العراق مثال للديمقراطية في الشرق الأوسط».. إلخ.
واستناداً إلى هذه الرؤية، تجاهلت القيادة المدنية للبنتاجون، المطالبات والدعوات للحذر، ولإرسال قوات أكثر، وسارعت لتنفيذ «برنامج استئصال البعث» الغامض، وفشلت في توفير الخدمات والأمن للمدنيين العراقيين، ولم تحفل ببروز مقاومة وطنية.
وبالرغم من أن الإدارة الأمريكية تواصل إنكارها للحقائق الراهنة، خوفا من المقارنة مع ما حصل في فيتنام، ورفضها للتحذيرات من خطر الانزلاق في أتون حرب أهلية، فإن الأوضاع هناك بدأت تخرج عن السيطرة.
ومن الواضح أن هذه الإدارة تعمل اليوم على إيجاد توصيف جديد لمعنى «النصر»، ولإيجاد سبيل لتخفيض مدى التعرّض الأمريكي، مع الحفاظ على تواجد عسكري مقلّص، والتزام سياسي طويل الأمد في العراق. ولكن كل ذلك يبدو تماماً على صورة فيتنام ومثالها.
وهكذا، فإنه بعد مرور ثلاث سنوات على «إنجاز المهمة»، نجد أن الكثيرين قد قتلوا أو جُرحوا، وأن العراق وصل إلى مشارف الانفجار الداخلي، وأن الولايات المتحدة تعاني من الأزمات، وأن الرأي العام الأمريكي انقلب ضد هذه الحرب التي كان ساندها في البداية، وأن أصابع الاتهام مصوّبة في كل اتجاه، ومن المؤكد أن يوم الحساب عن هذه الحرب الغريبة والمثيرة للقلق، آتٍ، في المستقبل القريب.
* رئيس المعهد العربي الأمريكي في واشنطن
ترجمة: جوزيف حرب