أعلنت جامعة هارفارد نهاية الأسبوع الماضي نزع اسمها من غلاف بحث علمي أعده أحد أساتذتها وأستاذ آخر من جامعة شيكاغو. كما أعلن خلال الأسبوع نفسه عميد كلية (جون كندي) للدراسات الحكومية في الجامعة نفسها، بأن أحد عمداء الكلية البروفسور (ستيفن والت) سيترك منصبه كأحد عمداء هذه الكلية قبل سنة واحدة من انتهاء فترة عمله الاعتيادي.
ويتساءل المرء، ما الذي اقترفه كل من (ستيفن والت، وجون ميرشايمر) وهما أستاذان في العلوم السياسية ولهما مكانتهما الأكاديمية المتميزة. ويأتي الجواب بكل بساطة بأنهما كتبا بحثاً مطولاً عن هيمنة اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية الأمريكية، وأن هذه الهيمنة تضر بالمصالح الوطنية العليا للولايات المتحدة.
ولقد نشرت هذا البحث كل من كلية (جون كندي) في الثالث عشر من مارس الماضي ونشرت أيضاً نسخة مطولة منه، ومجلة لندن لمراجعة الكتب (London Review Of Books) قد اتهمت المجلة كذلك بأنها مناهضة للسامية، وتعرضت لانتقاد شديد من قبل عدد من الدوائر الصهيونية.
ولاشك أن هذا البحث ذو أهمية خاصة، حيث أشارت إليه جريدة (ها آرتز الإسرائيلية) ودعت أساطين اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة إلى التصدي لهذا التوجه الأكاديمي، خشية انتشاره في محافل أكاديمية متعددة، وتأثيره السلبي المستقبلي على سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل. وهو ما يفسر الحملة الشعواء على مؤلفيه في عدد من الصحف الأمريكية ومن بعض ممثلي الكونجرس الأمريكي. ينطلق الباحثان (مير شايمر ووالت) من فرضية أساسية مفادها أن إسرائيل لم تعد من ناحية استراتيجية، تحمل أهمية عظمى للولايات المتحدة، مثلما كانت عليه إبان فترة الحرب الباردة، وينتقدان بشدة التأثير غير المتوازن للوبي الصهيوني على السياسة الخارجية الأمريكية وتأثيره على سياسات الولايات المتحدة تجاه بعض الدول العربية.
ويذكران القارئ بأن إسرائيل استلمت من الولايات المتحدة منذ عام 1967م وحتى العام الماضي 2005م، 140 مليار دولار، أو ثلاثة مليارات دولار في العام الواحد، وهو ما يمثل

الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل تضاءلت بعد انتهاء الحرب الباردة

مساعدة مالية لكل شخص إسرائيلي بمبلغ خمسمائة دولار سنوياً، بالأسعار الثابتة. وبعكس المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة للدول الأخرى، فإن المساعدات الأمريكية لإسرائيل تدفع لها بشكل كامل مع بداية كل عام، مما يسمح للحكومة الإسرائيلية بالحصول على فوائد مالية خلال ذلك العام على الأموال المخصصة على مجالات إنفاق هذه المساعدات، وهو ما يجعل من الصعب على الحكومة الأمريكية التحقق من أن هذه الأموال لا تصرف على المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية.
ومن ناحية دبلوماسية، فإن الولايات المتحدة قد صوتت بحق النقض (32) مرة في مجلس الأمن منذ عام 1982م، وذلك لنصرة المواقف الإسرائيلية، مما أثار حنق الدول العربية والإسلامية. كما أن الدبلوماسية الأمريكية تمنع محاولات الدول العربية لإخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية لتفتيش دولي تقوم به وكالة الطاقة النووية الدولية. وفي بعض الأحيان يصل الأمر بالدبلوماسيين الأمريكيين إلى التفاوض مع العرب والفلسطينيين باسم الحكومة الإسرائيلية.
ومع ذلك فإن الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل قد تضاءلت بعد انتهاء الحرب الباردة. فخلال حرب تحرير الكويت حاولت الولايات المتحدة إبعاد إسرائيل عن أي محاولة للمشاركة في الحرب ضد قوات صدام حسين. كما أن غزو العراق الحالي، والذي كان أصلاً في جزء كبير منه لحماية المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، كان يمكن أن يفشل (في رأي الكاتبين) لو تدخلت إسرائيل بشكل مباشر في هذه الحملة.
كما أن مشكلة الإرهاب الحالية، في نظرهما، لها علاقة مباشرة بالموقف الرسمي للإدارة الأمريكية من قضايا العرب والمسلمين. ويريان أنه طالما خضعت السياسة الأمريكية للتوجهات الإسرائيلية، فإن الفشل سيكون مصير الحرب الحالية على الإرهاب. وينتقد الكاتبان بمرارة السياسات الإسرائيلية التي قدمت وعوداً كاذبة للإدارة الأمريكية بالتوقف عن بناء المستوطنات وبالتوقف عن اغتيال القادة الفلسطينيين.
وينتقد الباحثان كذلك الأسس النظرية والأخلاقية للوبي الإسرائيلي، الذي يدعي بأن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهي الدولة الضعيفة التي يحيط بها أعداء أقوياء. ويرون بأن إسرائيل ليست الديمقراطية الوحيدة حول العالم بل هناك ديموقراطيات كثيرة لا تتلقى نفس الدعم من الولايات المتحدة. كما أن إسرائيل تضطهد الأقلية العربية الفلسطينية فيها، والتي يصل تعدادها إلى 1.3 مليون نسمة، الذين يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية. كما ينتقدون الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني. ويوردان بعض الإحصاءات التي نشرها فرع منظمة (حماية الأطفال) في السويد، والذي يذكر فيه أن عدد الأطفال الفلسطينيين الذين تعرضوا للتكسير والأذى، واضطروا للحصول على علاج في أحد المستشفيات، يتراوح ما بين 23،600 طفل إلى 29،900 طفل، منذ بدء الانتفاضة وحتى الوقت الحاضر، وينتقد الباحثان كذلك سيطرة اللوبي الإسرائيلي على الصحف الرئيسية في الولايات المتحدة مثل (الوول ستريت جورنال والواشنطن بوست والنيويورك تايمز). وكذلك سيطرة اللوبي على رجال الكونجرس، حيث ينظر بعضهم إلى أن الهدف الأول لهم هو حماية أمن إسرائيل، بينما يفترض كمشرعين أمريكيين أن يكون الهدف الأساسي لسياساتهم وتشريعاتهم هو حماية الأمن الوطني والمصالح العليا للولايات المتحدة نفسها. ولاشك أن الباحثين الأساتذة (جون ميرشايمر وستيفن والت) قد وثّقا في بحثهما التأثير الهائل للوبي الإسرائيلي في واشنطن، وأثبتا أن المفاوضين الأمريكيين في مفاوضات كامب ديفيد كانوا قريبين جداً من المواقف الإسرائيلية. ومعظم المعلومات التي يتكلمان عنها، هي معلومات معروفة لدى كثير من المثقفين، بل ولدى العامة في العالم العربي، ولكن كلمة الحق التي يصدعان بها والتي تطالب الشعب الأمريكي والمثقفين الأمريكيين بنقاش حدود اللوبي الإسرائيلي وتأثيره السلبي على السياسة الأمريكية، هي مطالب غير متطرفة، بل يؤمن بها العديد من أساتذة السياسة الأمريكيين.
لعل الشيء الوحيد الذي يميز الباحثين (ميرشايمر وستيفن والت) هي الشجاعة الأخلاقية والأكاديمية التي لا يتمتع بها للأسف العديد من علماء السياسة الذين يتوارون خجلاً من وصف الحقائق البارزة أمام أعينهم. ولكن للأسف فإن الإرهاب الفكري الذي يتعرضون له يثبت بكل وضوح تأثير اللوبي الإسرائيلي على مواقف الجامعات والصحف والساسة الأمريكيين.